ديريك.. ساحة

ديريك.. ساحة "كرّ وفرّ" بين قوتين عالميتين

Jun 06 2020

ديريك.. ساحة "كرّ وفرّ" بين قوتين عالميتين
عماد برهو

بالتوازي مع دخول قانون قيصر الذي يتضمن عقوبات قاسية على النظام السوري وداعميه، وأقرته الإدارة الأمريكية نهاية العام الماض حيز التنفيذ، بدأت روسيا حليفة النظام السوري بتأميم موطئ قدم لها في الشمال الشرقي لسوريا عبر إنشاء قواعد ومواقع عسكرية ثابتة، ظنا منها بأنها تفتح للنظام طاقة يتنفس منها في فترة تطبيق العقوبات الأمريكية، إضافة الى بسط نفوذها في مناطق محسوبة على الخصم الأمريكي التقليدي.

وما شهدناه خلال الأيام الماضية من تحليق لطائرتين روسيتين في أجواء ريف المالكية (ديريك) عند الحدود السورية – التركية بريف محافظة الحسكة، حطت إحدى الطائرتين في قرية قسر ديب بريف المنطقة، بينما واصلت الأخرى تحليقها في الأجواء، بالتزامن مع وصول دورية روسية مؤلفة من نحو 15 مدرعة، اتجهت إلى قرية كاسان شمال المالكية (ديريك) بغية إنشاء قاعدة روسية في مدرسة القرية، إلا أن أهالي القرية من رجال ونساء وأطفال اعترضوا الآليات ومنعوها من التمركز، مما اضطر الدورية للانسحاب، مما دفع بالدورية المنسحبة التوجه إلى قرية قسر ديب الواقعة بريف المالكية أيضاً، والتي بدأت روسيا إنشاء قاعدة عسكرية فيها قبل أيام.

وفي الجانب الآخر من الحرب الباردة، نجد بشكل شبه يومي، استقدام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، آخرها ليل الأربعاء- الخميس، حيث استقدمت تعزيزات عسكرية ولوجستية جديدة الى قاعدتها العسكرية في تل بيدر بريف الحسكة الشمالي ، وبحسب مصادر محلية كان يرافق الرتل عدة مدرعات عسكرية أمريكية.

وكانت دورية امريكية قد منعت دورية اخرى روسية من العبور على جسر وانيك المؤدي الى مدينة ديرك شمال شرق سوريا.هذا المنع الامريكي للقوات الروسية في مناطق سيطرتها ليست بالمرة الأولى، حيث تبادلت القوتان الدوليتان عملية منع الطرف الآخر في رسائل بسيطرة كل قوة على مناطق تعتبرها مناطق مصالح ونفوذ.

بدأ مؤخراً الصراع ما بين روسيا وامريكا يأخذ طابعاً مغايرا، فبعد ما كان لكل منهما منطقة نفوذه المحددة ونقاط تمركز، أصبح اليوم الصراع بمجمله يتمحورحول بسط السيطرة على ريف مدينة ديريك/ المالكية الواقعة في المثلث الحدودي ، روسيا تحاول التمركز وبناء قواعدها في القرى الريفية منها حيث تقابل برفض الأهالي ومواجهة شعبية وممانعة أمريكية عبر قطع الطريق أمام مدرعاتها بالوصول لديريك كما حصلقبل أيام، وقبله مرات عدة.

كلنا يعلم مدى أهمية المثلث الحدودي لهاتين القوتين، خاصة في ظل وجود معبر (سيمالكا/فيشخابور)، الذي يربط المناطق الكوردية بسوريا مع إقليم كوردستان العراق، هذا المعبر الذي يعتبر بمثابة " شريان الحياة" بالنسبة للمنطقة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي في سورية بشكل عامةً، إضافة الى الضغط التركي المستمر على المنطقة، واطماعها في بسط سيطرتها على كامل الشريط الحدودي مع سوريا تحت حجة وجود حزب العمال الكوردستاني PKK المصنف في لائحة المنظمات الإرهابية، هذه الشماعة التي تستخدمها الدولة التركية عندما تقدم على أي عمل عسكري داخل الأراضي السورية، كما هو الحال حين احتلت عفرين قبل سنتين، وبعدها سري كانيه/رأس العين، وكري سبي/ تل أبيض، إضافة الى تواجد حقول ومنابع النفط والغاز المنتشرة في هذه المنطقة الغني بالثروات الباطنية.

وسط هذا المشهد الضبابي في منطقة ديريك/المالكي المهم جدا لاستراتيجيات هاتين الدولتين اللتين تعتبران محور الصراع في المنطقة والعالم لما تمتلكان من مصالح حيوية لها في المنطقة، وستعملان المستحيل للظفر بهذا المثلث الحيوي- ان لم يكن هناك اتفاق سابق تحت الطاولة، وستبقى منطقة ديريك الحدودية ساحة "كرّ وفرّ" بين قوتين عالميتين تمتلكان بيدهما مفاتيح الحل في سوريا، والمنطقة عموما.

يبقى الرهان الأول والأخير للمنطقة الكوردية في سوريا للخروج بأقل الخسائر في ظل هذا الصراع الدولي والاقليمي على منطقتنا، الوصول باتفاق (كوردي-كوردي) يضمن لما تبقى من أبناء شعبنا في كوردستان سوريا نتيجة ما تعرض له من سياسات التهجير والإبعاد من خلال السياسات الخاطئة من قبل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، والتي كانت في نتيجتها ان أفرغت مناطقنا من سكانها الكورد، وقطنها إخوتنا العرب، الذين نزحوا من باقي المناطق السورية التي تعرضت للحروب والدمار.

الشعب الكوردي في سوريا عينه على قامشلو، وفي قلبه غصة من تجارب اتفاقيات (كوردية- كوردية) لم يكتب لها النور، ولسان حاله هذه المرة، ارحموا من في الأرض يرحمك من في السماء.


المقال يعبر عن رأي الكاتب

1018