كمال لبواني هذا الشوفيني الوديع

كمال لبواني هذا الشوفيني الوديع

May 29 2020

علي مسلم

بالرغم من عدم معرفة الجهة التي تقف خلف الرسائل التي أراد ان يقوم بإيصالها المعارض السوري الهجين الدكتور كمال اللبواني في مدونته الأخيرة حول الشروط الامريكية الروسية المشتركة لنجاح مساعي التوافق بين قوات سورية الديموقراطية والمجلس الوطني الكردي برعاية دولية صرفة، والتي انحصرت كما ذهب اليها في نقطتين أساسيتين الأولى فك ارتباط حزب الاتحاد الديموقراطي عن قنديل والثانية تخلي الكرد عن مطلب الفيدرالية الجغرافية، فبقدر وضوح النقطة الأولى والتي تعتبر نقطة مفصلية في سياق نجاح المسعى على اعتبار انها تمثل مطلباً كردياً في المقام الأول، ومطلباً إقليمياً ودولياً في المقام الثاني، فإن النقطة الثانية تنطوي على جملة من المغالطات القانونية والسياسية والاخلاقية، يراد من خلالها تسطيح الحق الكردي ما أمكن، فالمغالطة القانونية الأولى الذي أوقع نفسه فيها أن الفكرة التي يهدف الى تسويقها هي دعوة الكرد الى التخلي عن مفهوم الفيدرالية الجغرافية والاستعاضة عنها بالفيدرالية الثقافية وهي ذات النقطة الإشكالية التي تشدق بها النظام طوال العقود المنصرمة والتي أدت كما رأينا الى حصول هذا التباعد بين الكرد وبين شركائهم في الوطن ليس على مستوى الطرح السياسي فحسب، بل شمل ذلك المستويات الأخرى الاجتماعية منها والاقتصادية، فالفيدرالية الثقافية إنما هي دعوة ناعمة لفصل الحضور الكردي المتجذر في سوريا عن جغرافي ته، واعتبارهم لاجئون قدموا من تركيا بحثاً عن الأمان، وبالتالي لا يحق لهم ما يحق لغيرهم من حقوق سياسية واجتماعية في مستقبل الدولة السورية، هذه الدولة التي تشكلت بالرغم من إرادة المكونات السورية، حيث أن مصطلح الفيدرالية الثقافية كمفهوم لا يرتقي الى مستوى التعبير عن التطلعات القومية والسياسية بأي شكل من الأشكال، على اعتبار أنها تبيح ممارسة الثقافات المحلية في مستوياتها الدنيا، لكنها في الوقت ذاته تمنع عليهم ممارسة الحقوق السياسية كما يحصل مع الأرمن في سورية، فإذا كان للكرد امتداد إقليمي في دول الجوار فإن هذا الأمر ينسحب على المكونات الأخرى سيما العرب منهم، وهذا الأمر في حقيقته يدعم التطلعات القومية والسياسية لأي مكون من مكونات سورية، ولا يلغي ما يسعى إليه كل مكون في البحث في مستقبله القومي والسياسي، ثم إن الكرد حين يسعون الى الشكل الاتحادي لسورية إنما يسعون الى التخلص من نير الاستبداد والتعسف الذي تعرضوا له على مدى عقود خلت من جهة، والاطمئنان على مستقبلهم السياسي من جهة أخرى، الى جانب انهم لم يلمسوا أي توجه وطني يصون تطلعاتهم القومية لا على مستوى النخب، ولا على مستوى النظم التي تعاقبت على إدارة سورية، لذلك ينظرون الى المشهد على أنه بات من حقهم البحث عن مكان لهم في مستقبل سوريا، بعيداً عن فوبيا التقسيم والانفصال.

أما المغالطة القانونية الأخرى تكمن في نظرته القاصرة الى طرق تشكل النظام الفيدرالي، فالنظام الفيدرالي يمكن أن يتشكل نتيجة تطوير نظام دولة من النمط المركزي إلى النمط الفدرالي بسبب احتمال حدوث انفصال قد تقوم به الأقليات، وهذا النوع من الأنظمة الفدرالية قد تعطي لبعض الولايات الحق في امتلاك صلاحيات سيادية خاصة بها في مجال اللغة والهوية الثقافية مع العلم بأن مركز الحكومة (العاصمة) ستحتفظ بمجال واسع من السلطات على مستوى الخارجية والدفاع والمالية، وبناء على هذا النمط تأسست الهند وبلجيكا وكندا واسبانيا.

أما في الجانب الأخلاقي فقد تعمد الدكتور في شطب الحضور البشري التاريخي في الجزيرة السورية مدعياً ان سكان الجزيرة قدموا اليها بالتزامن مع قدوم الفرسيين الى سوريا، بمعنى أنه لم يكن ثمة أناس كانوا يقطنون الجزيرة السورية قبل عام 1920، وأن حضارة ما بين النهرين ما هي إلا كذبة تاريخية، فهذا الطرح ربما يخفي خلفه جنوحاً شوفينياً مقيتاً، على اعتبار أن غالبية سكان الجزيرة هم بالأساس كرد،

وأخيراً فقد تعمد في مدونته هذه إعادة خلط الأوراق وطنياً بعد أن نجح الكرد في استقطاب مراكز القرار الدولي الى جانبهم في خضم هذا الصراع المستعر، فقضية الكرد في سورية هي قضية شعب ارتبط وجوده بالأرض، ولا يمكن القبول بالمساس بهذه الثنائية تحت اية ذريعة كانت، فالسوريون على اختلاف مشاربهم باتوا بحاجة الى خطاب يوحدهم، بدل البحث عن عراقيل تعيق سبل تطورهم.

808