أين مظلوم عبدي أين؟

أين مظلوم عبدي أين؟

Sep 10 2023

أين مظلوم عبدي أين؟
عبدو أحمد

"أين مظلوم عبدي أين؟ أين حقوق الأطفال؟ أعيدوا لي طفلتي" ثلاث نساءٍ يحملن ثلاث لافتات وصورة, يرافقهن قاصر لم يُزج بعد في معسكرات التجنيد الإجباري, يمشين في شارعٍ بارد فَقَدَ حرارة حياةٍ كانت تجري متحديةً أعتى الدكتاتوريات في مشهدٌ يختزل واقع الحال في المدينة. تحمل الفتاة صورة أختها تقول وتكرر: أين مظلوم عبدي أين؟ ومع كل عبارةٍ تردد بحرقةٍ: كفى.

الأم وقد خانتها حنجرتها ترفع لافتتين مكتوب على إحداها: لا لخطف القاصرات. وعلى الأخرى: خطف الأطفال جريمة.

هذه الأم التي لم تقرأ شيئاً من مواثيق حقوق الطفل ولم تطلع على المعاهدة التي وقعها مظلوم عبدي والممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، فيرجينيا غامبا، عام 2019 في مقر الأمم المتحدة في جنيف والتي تنص على تسريح الفتيان والفتيات المجندين من صفوف قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، بالإضافة إلى منع وإنهاء تجنيد الأطفال ممن هم دون 18 عامًا.

كأم تعلم أن ألعاب طفلتها الزهيدة قد تراكم عليها الغبار ودفاترها باتت منسية في نافذة البيت الذي أصبح بارداً لا يتردد فيه صوى صدى الآهات المرافقة لنواحها, كما تعلم أيضاً أن المقعد الذي كان يحتوي شغف طفلتها بالإبحار في محيطات العلم لا يزال فارغاً فمنذ اختفت زميلتها في المقعد المجاور بمعسكرات التجنيد لا يزال ذاك المقعد فارغاً أيضاً.

تمثل هذه الأم الكوردية بصمتها الذي يمزق الأحشاء "كوباني" تلك المدينة المتعبة المترامية على الحدود المصطنعة بين الجزء الشمالي والغربي من الوطن.

"ثمانية أعوامٍ بين الصراخ والصمت"
المدينة التي صرخت في وجه أعتى تنظيم إرهابي "داعش", ذاك التنظيم الذي حاول إكسائها بالسواد فانتفضت وبزغ فجرها من جديد على وقع خطى البيشمركة وشمخ العلم الكوردستاني والمدينة معاً ذات صباح في السادس والعشرين من كانون الثاني عام 2015, عاد أهلها من كل حدب وصوب أفواجاً, امتلأت رئتا المدينة بالحياة وعادت الابتسامة لوجوه عابري الحدود المنهكة.

لايحب فرسان فلسفة المقامر (أوجلان) الحياة, يريدون أن تتسع المقابر وأن يتعالى صوت النواح في الأرجاء, فكانت "ليلة الغدر" في الخامس والعشرين من حزيران عام 2015, في تلك الليلة ترجل المئات من أهالي المدينة عن صهوة الحياة وفي الصباح انضّم مئة طفلٍ آخر إلى سجلات الأيتام, تلك الليلة التي لا نستطيع إيجاد وصفٍ دقيقٍ لها بعد. أنسميها "مجزرة" أم "إبادة جماعية"؟ في تلك الليلة أجمع وحوش السواد وخفافيش فلسفة المقامر على افتراس الحياة في كوباني وفي الصباح اختفى الشهود وبقيت قضية "ليلة الغدر" على الرفوف في الغرف المظلمة يتراكم عليها الغبار, منذ تلك الليلة تراكمت الكلمات في حناجرنا من دون مخرجٍ للصراخ وساد الصمت الشوارع والنفوس كلما اتّسعت المقابر.

هذه الأم وهذي المدينة متشابهتان, بعد أن خانتهما الآذان التزمتا الصمت وباتتا تراقبان خطوات الجلاد وهو يجول الشوارع يتفرس في الوجوه ليحدد ضحيته المقبلة.


المقال يعبر عن رأي الكاتب

12923