بين البعثين العربي والكوردي.. من زيارة السجون لزيارة القبور
بين البعثين العربي والكوردي.. من زيارة السجون لزيارة القبور
عبدو أحمد
في معرض الحديث عن حزب البعث العربي في سوريا لا بد لنا من ذكر البعث الكوردي وإن كان يحمل اسماً آخر وشعارات مختلفة وظروف تأسيس مختلفة, القاسم المشترك بينهما هو الشعب الكوردي في كوردستان سوريا، وإذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء نجدهما يسابقان الزمن لإنهاء الوجود الكوردي على أرضه التاريخية وبأساليب متشابهة في المحتوى, مختلفة في الشكل.
فمنذ صعود البعث للسلطة في سوريا وتحويلها لمزرعة خاصة ببيت الأسد، نفذ العديد من المشاريع العنصرية ضد الشعب الكوردي في كوردستان سوريا كالحزام العربي والإحصاء الشوفيني وتجريد الكورد من الجنسية السورية, والعديد من الممارسات الشوفينية الأخرى, في الجهة المقابلة واجهت الحركة السياسية الكوردية هذه السياسات الشوفينية بما لديها من إمكانيات, تعرض على إثرها قادة الحركة الكوردية في سوريا للاعتقال والتعذيب الوحشي في معتقلات النظام السوري (البعث), لم تثنِ ممارسات البعث الشعب الكوردي وحركته السياسية عن المطالبة بحقوقهم المشروعة, فاكتظت المعتقلات بالمناضلين وبات انتقاء كتاب كوردي الجريمة الكبرى للإنسان الكوردي أمام محاكم البعث.
في الحديث عن محاكم البعث, كانت قوالب الاتهام جاهزة لكل من يعارض البعث أو يطالب بحقوقه، أما فيما يخص الكورد فكان قالب التهمة على الشكل التالي: استقطاع جزء من أراضي سوريا وضمها لدولة أجنبية. هذا القالب كان جاهزاً لكل مناضل كوردي تعتقله أجهزة أمن البعث.
وبين اضطهاد البعث السوري للشعب الكوردي ونضال الكورد للحفاظ على هويتهم القومية وتمسكهم بنهج البارزاني الخالد, كان لا بد لنظام البعث من ابتكار طريقةٍ جديدة للاضطهاد وخلق بيئة جديدة تبعد الكورد عن نهجهم القومي, فكان احتضانه للبعث الكوردي (حزب العمال الكوردستاني) وسيلته الجديدة والأخطر على الكورد في كوردستان سوريا, وسرعان ما افتتح البعث العربي المعسكرات للبعث الكوردي لتجنيد الشباب الكورد وإرسالهم إلى جبال قنديل لإفراغ كوردستان سوريا من شبابها.
بشعاراتٍ براقة استهدف البعث الكوردي الجيل الشاب في كوردستان سوريا, وتغلغل داخل المجتمع الكوردي سريعاً ويوماً عن يوم كبرت قائمة الضحايا السائرين خلف شعاراتٍ واهية, وتناسب عدد الضحايا طرداً مع العلاقة بين البعثين, ففي فترات ازدهار العلاقة بينهما اكتظت السجلات بضحايا البعث الكوردي, وفي فترات فتور العلاقة نقصت أعداد الضحايا نسبياً.
لكن التحول الجلل والأخطر على الكورد في كوردستان سوريا كان تزامناً مع الثورة السورية في عام 2011, فقد علم البعث العربي أن انضمام الشعب الكوردي للثورة السورية يعني أن احتمالية سقوط عرشه أقوى وأسرع, هنا كان لا بد للبعث الكوردي التدخل, فسلّم البعث العربي نظيره الكوردي مدن وبلدات كوردستان سوريا وأمده بالسلاح وكافة مستلزمات الاضطهاد, فأتقن الأخير دوره كالمعتاد, سجونٌ مكتظة بمعتقلي الرأي والساسة الكورد والناشطين, وعمل جاهداً لعزل الكورد عن الثورة السورية عبر قمع المظاهرات في المدن والبلدات واغتيال السياسيين والناشطين وإقحام الكورد في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل ( عفرين وسري كانيه) وتهجير أكثر من 300 ألف من سكان عفرين وأكثر من 97% من سكان سري كانيه وكري سبي, فتوسعت المقابر وأصبح عدد سكانها يضاهي سكان البلدات المنسية, من جانبٍ آخر عمد البعث الكوردي إلى خلق أزماتٍ لا متناهية في جميع مجالات الحياة اليومية لإفراغ المنطقة الكوردية من سكانها فخرج الكورد من كوردستان سوريا في موجة هجرة لم تشهد المنطقة مثلها من قبل, حصل البعثين على مبتغاهما وهو التغيير الديموغرافي في كوردستان سوريا الذي بدأ منذ صعود البعث العربي للسلطة في سوريا ولا يزال مستمراً على يد البعث الكوردي.
إذاً عند الحديث عن المخاطر التي تهدد الوجود الكوردي في كوردستان سوريا, فإن ممارسات البعثين تلوح لنا من نافذة التاريخ والتغيير الديموغرافي يلوح لنا من على مسرح الحاضر وبين الماضي والحاضر يبقى الكورد الضحية الأكبر للبعثيين باختلاف ممارساتهما وتطابق أهدافهما, وتبقى السمة الأبرز لمعاناة الكورد هي "من زيارة السجون في عهد البعث العربي إلى زياة القبور في عهد البعث الكوردي".
المقال يعبر عن رأي الكاتب
824
