المستبد العربيّ الذي يريد تحرير فلسطين!
هذه ملاحظات قصيرة حول موضوع شائك وخلافي وصعب. احداث سوريا بداية واحداث لبنان بعد ذلك – وأقصد الثورة السورية والثورة اللبنانية- وردود الفعل عليهما من قبل الكثير من الفلسطينيين (وأقصد فلسطينيي الداخل) يثير لدي بعض الافكار حول ما يمكن تسميته نرجسية فلسطينية. من مظاهر هذه النرجسية يقين لا تتزعزع أن آلامنا وجراحنا وخسائرنا هي من نوع خاص وذات معنى مميز وتستحق اهتماما مميزا.
ليس هناك من يشك في عمق جرحنا وفِي حجم خسارتنا ونكبتنا المستمرة. لكن لا بأس أن نسأل انفسنا: ماذا عن آلام الآخرين ومعاناتهم وخسائرهم؟ ماذا عن الشعوب العربية الأخرى؟
الأغلبية عندنا سوف تدعي أنها تأمل كل خير لهذه الشعوب وتتمنى لها العيش بكرامة ومساواة وحرية. لا اشك في نوايا من يقول ذلك، لكن القضية ليست في النوايا، انما ما يتعدى ذلك. الأسئلة السياسية أصعب من ذلك وتتطلب جوابا أوضح.
مطالب الشعوب بالحرية
لنأخذ مثلا قضية التضامن العربي مع فلسطين: يحق لنا أن نتوقع تضامنا من الإخوة العرب، والحديث عن الشعوب وليس الحكومات. لكن ما حدود هذا التضامن؟ هل عليهم واجب الدعم المادي؟ المعنوي؟ الدبلوماسي؟ هل عليهم واجب القتال إلى جانب فلسطين مثلا؟
اسئلة ليست سهلة على الإطلاق. من ناحية فان إسرائيل هي مشروع يتحدى العرب مجتمعين وهو نقطة انطلاق للهجوم عليهم وحرب عام 1956 خير مثال. لكن حرب إسرائيل على الشعب الفلسطيني تختلف عن حربها على الشعوب العربية، ومصالحها الإقليمية في فلسطين ليست كمصالحها في لبنان أو الأردن أو مصر أو سوريا. أي نوع من التضامن يمكننا أن نتوقعه وما هي حدوده؟
لم تسأل المنظمة نفسها هذه الأسئلة لا في الأردن ولا في لبنان، بل تصرفت أنه من المفروض ضمنا أن واجب هذه الدول والشعوب أن تتضامن معنا، لأننا جميعا مستهدفون. لكن هل بنفس الدرجة يا ترى؟
للشعوب العربية آلامها وامالها ومشاكلها. القضية الفلسطينية هي واحدة منها وهي قضية أساسية وقضية عادلة. لكن للسوري وللبناني مشاكل أخرى يعاني منها: أنظمة قمع وفساد وعصابات حاكمة وهدر يومي لكرامة المواطن وفقر. هل يحق له أن يطالب بها؟ وما شكل العلاقة بين هذه المطالب وبين سؤال التضامن مع فلسطين؟ هل للتضامن مع فلسطين أولوية؟ لماذا؟ إلى أي حد؟
لو كنت سوريا لأعتقدت أن سؤال فلسطين هو سؤال مركزي وهام لأنه سؤال عادل ولأنه يطاله وإسرائيل التي تحتل فلسطين تحتل الجولان ايضا. لكن علينا أن نتفهم أيضا نحن الفلسطينيين أن اسم فلسطين قد تم توظيفه على مدى عقود من قبل أنظمة تحتقر شعوبها وتقمعها يوميا. باسم فلسطين جرى تأجيل ووأد كل مطالب الشعوب بالحرية والعدالة والديمقراطية والخبز. وباسم مواجهة أمريكا وإسرائيل جرى ويجري قمع الشعوب وحتى تشريدها. هذه الانظمة أساءت إلى اسم فلسطين حتى أصبح مقترنا لدى العديد منهم كغطاء لاستمرار القمع والذل. جاء الوقت أن نحرر اسم فلسطين من هذا العناق الخانق.
حقيقة، لا أعرف كيف يستطيع من يقمع شعبه أن يحارب إسرائيل، وإذا أرادت الشعوب أن تقاوم يجب أن تكون حرة وسيدة على ذاتها أولا، لأنه فقط عندها تشعر أنها تدافع عن حريتها حين تدافع عن أوطانها، بعكس ما هو الحال الآن حيث أن هذه الأوطان ما هي إلا مجرد سجون كبيرة.
لكني الآن لست في موضع المواطن اللبناني انما أتحدث إلى إخوتي الفلسطينيين هنا: هل نحن حقا قادرون أن نفهم رغبة هذه الشعوب في الكرامة والعدالة والحرية والمساواة؟ هل يحق لها ولو للحظة أن تنشغل في أمورها ومطالبها وغدها ومستقبل أطفالها وصحتهم وتعليمهم أولا؟ هل نستطيع أن نحكم على هذه المطالب دون التمركز في ذاتنا وفِي سؤال إسرائيل/ فلسطين؟
لم أعتقد يوما ان حزب الله هو صاحب مشروع تحرري. صحيح أنه مقاوم لمشاريع أمريكا في المنطقة ويقوم بذلك تماشيا مع مشروع إيراني للمنطقة (مع أن أمريكا سلمت العراق إلى أياد إيرانية). كذلك لم أعتبر سوريا الأسد لا في السابق ولا الآن، صاحبة مشروع مقاوم ولا مشاريع تحرير إلا بقدر ما تخدم هذه المصطلحات مصلحة الشلة الحاكمة وقبل أن يحارب حزب الله إسرائيل ليحرر الجنوب حارب القوى الوطنية اللبنانية والشيوعيين اللبنانيين الذين قادوا المقاومة في بداية الثمانينات.
وعليه فأنا لا أعتبر أن أحدا منهم لديه مشاريع تخص فلسطين، إلا إذا كان اسم فلسطين اسما رابحا وغطاء جميلا (وتاريخ علاقة سوريا الأسد بفلسطين يثبت ذلك). مع ذلك هناك سبب للاعتقاد أن وجود قوى لا تأتمر مباشرة من أمريكا قد يكون أمرا هاما لتوسيع هامش مناورة كل القوى التي تريد التصدي لإسرائيل، كما أن القوى التحررية قد تستطيع الاستفادة في لحظة معينة من وجود روسي في المنطقة لتقاطع مصالح آني ومؤقت في مواجهة أمريكا وإسرائيل. لكن كل هذا لا يجعل لا روسيا ولا سوريا ولا إيران صاحبة مشاريع تحررية ولا يمكن التعويل عليها وإن كان من الممكن أحيانا الاستفادة منها.
وعليه فإني أعتقد أن الحكم على الثورة السورية واللبنانية لاحقا من خلال موقف الثورة من نظام الأسد ومن الموقف اتجاه حزب الله هو موقف غير مقنع باعتقادي، إذ أنه يعتبر أن المحك الأساسي والبوصلة الرئيسية هي الموقف من سوريا الأسد ومن حزب الله وكل شيء آخر هو ثانوي ويخضع لهذه المعادلة الرئيسية. كان حريا أن يكون العكس: أن نحكم على الأسد وعلى حزب الله نفسه بموجب موقفهما من الثورات ومن مطالب الناس العادلة في الكرامة والحرية وليس العكس.
البوصلة يجب أن تكون مطالب الناس العادلة والمحقة وبدل الحكم على الثورة لأنها في مواجهة الأسد وحزب الله من الأفضل الحكم على الأسد وحزب الله لأنهما وقفا في وجه الثورة.
مشروع سلطة ونفوذ
لكن ما أسميه النرجسية الفلسطينية – وهذا هو أهم ما أردت قوله – هو ذلك اليقين المطلق أنه يجب الحكم على كل ما يحدث في العالم العربي وحراكه وثوراته بموجب اصطفاف القوى المتصارعة ( اللفظي اساسا لأن سوريا مثلا لم تحارب إسرائيل يوما) من إسرائيل وكأن هذه القوى الممانعة صاحبة حق فيتو في كيفية إدارة بلادها وكل قوة تصطدم معها هي عميلة ورجعية ونواياها مشكوك فيها. لكن لماذا؟
هل إسرائيل هي العدو الأساسي…
أنا افهم هذا الجواب لو أطلقه مواطن سوري في وجه مواطن سوري آخر، او مواطن لبناني في وجه زميله اللبناني الذي يفضل الخبز والعمل والحرية على المقاومة والممانعة والتحرير، فيوبخه قائلا: إسرائيل هي العدو الأساسي وكل ما هو غير ذلك ثانوي ويجب تأجيله…
لكن السؤال هو لماذا يعتقد الفلسطيني الذي يقيم في حيفا، ويحظى نسبيا باستقرار مادي ويصوت للكنيست الإسرائيلي، ولا يدعو أصلا إلى تحرير فلسطين ولا إزالة إسرائيل، لماذا يجد من حقه ان يعظ اخلاقيا ابن بيروت أو دمشق حول أولوياته السياسية ؟ ولماذا يشعر أنه يستطيع أن يفتي أخلاقيا أن الثورة حقيقية أم لا، لا بل أن يشكك في نوايا المتظاهرين في الشوارع وهم يتعرضون لنيران الشرطة ويصفهم بالعمالة.
كثيرون، وكثيرون جدا، في لبنان وسوريا، لا يعتقدون أن لحزب الله مشروعا تحريريا وكذلك سوريا الأسد وأن مشروعهم هو مشروع سلطة ونفوذ وأنه مضمخ بلغة ونكهة مذهبية. قد يكون موقفهم مصيبا وقد يكون غير مصيب (وأنا أعتقد أنه مصيب) لكن لماذا ننكر عليهم حقهم هذا؟ الكثيرون عندنا من الذين يكيلون علامات اخلاقية للثورة في لبنان (لكن ليس الجميع طبعا) لا يقولون كلمة نقد بحق السلطة الفلسطينية على مدار عقود باعتبار أن هذا شان داخلي، ترى لماذا لا يرون مطالب الشعوب الأخرى شأنا داخليا أيضا؟
أضف عليه، وحتى لو اتفقنا جدلا أن حزب الله صاحب مشروع لتحرير فلسطين كاملة وكذلك سوريا الأسد، ألا يحق لهذه الشعوب أن ترتب أولوياتها هي أيضا كأن تقول الحرية والكرامة والخبز أولا والمقاومة ثانيا؟ وأنه حتى نقاوم يجب أن نكون أحرارا ولدينا كرامة. لماذا نفرض تصورنا لطبيعة العلاقة بين هذه الاولويات ونعتبر أن من لا يقبل أولوياتنا مجرد عميل للغرب؟
إن بعض التواضع الأخلاقي لا يضر، وأنه من الجدير التعامل باحترام أكبر مع مطالب هذه الشعوب ومع آلامها ومع توقها للكرامة والحرية. صحيح جدا، وواقعي جدا أن يجري اختطاف هذه المطالب العادلة إما من إسرائيل أو أمريكا، النضال عن طريقه القويم وتوظف الغضب الشرعي كأداة لهدم هذه البلدان او للانتقام على أساس مذهبي، وعليه فالحذر مطلوب وواجب وضروري. لكن هذا شيء ووصم الحراك الشعبي بالعمالة شيء آخر، خاصة إذ يأتي من أعالي جبل الكرمل من فلسطيني يحمل هويته الإسرائيلية.
باحث وأكاديمي فلسطيني رائف زریق
المقال يعبر عن رأي الكاتب
1321
