دور التنظيم في بناء المجتمع

دور التنظيم في بناء المجتمع

Jan 16 2023

دور التنظيم في بناء المجتمع
عبداللطيف محمدأمين موسى

يعتبر التنظيم من الأمور الأساسية في تكوين الاستمرارية الكونية والبشرية معتمداً على الإعجاز الإلهي في تكوين المخلوقات والكون والكواكب والنجوم والأنهار والمحيطات والجبال والوديان وخلق الليل والنهار والمناخ والفصول الاربعة والتكاثر والفناء بشكل منظم مستنداً على قوة الحكمة الالهية. تجسد الآية الكريمة في قول الله تعالى في التنظيم الكوني (الله الذي رفع السموات بغير عمداً ترونها ثم أستوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون).

من خلال دراسة التاريخ والتطرق الى الأمور التاريخية في دراسة الامبراطوريات وتأسيس الممالك والحضارات ستقودنا هذه الدراسة الى أنه لا يمكن الفصل بين الممالك والحضارات والتنظيم .يعتبر التنظيم من الأمور الأساسية ومن العناصر الهامة في تكوين تلك الحضارات في حقيقة بأن أركانها قائمة على التنظيم. التنظيم هي ديمومة استمراريتها والعنصر الهام في تسير شؤون مؤسساتها سواء الدينة والروحية كالمعبد و المؤسسات التي تحمي المملكة أو الامبراطورية مثل الجيش وصنع الأسلحة ونوعيتها والمؤسسات التي تقوم بتنظيم الشؤون اليومية والإدارية والمعيشية من خلال تامين الغذاء والملبس والتعليم لتكون التنظيم العنصر الأساسي لاستمرارية تلك المؤسسات. كلما تعمقنا في دور التنظيم في تأسيس واستمرارية الإمبراطوريات والممالك لابد أن نستذكر الامبراطورية السومرية والامبراطورية المصرية والحضارة التي خلفتها في الكون, والتي لازالت أثارها تمتد الى يومنا هذا. من خلال اكتشاف النار واسلوب التعايش بين الانسان والطبيعة والعلاقة التي تحكم بين الاجيال .في دراسة الحضارات نرى بأن التنظيم كانت العنصر الاساسي في تكوينها واستمراريتهما من خلال تحقيق التوازن بين مؤسساتها ,فمن دون تحقيق التوازن لم يكن لتلك الحضارات من الاستمرارية لألاف السنين لتخلف ورائها الحضارات والأثار التي تشهد عليها الى الأن .

التنظيم الناجح عامل هام في تشكيل المعنويات والأفكار والاستعداد لقبول الهدف الذي ينجم عنه تشكيل الإرادة في صنع القرار, والذي يقود الى تحقيق النجاح والهدف المبتغى من التنظيم ومنه ستشكل مضمون عملية التنظيم في تحقيق التوازن في كافة نواحي الحياة أو في المؤسسة المراد العمل فيها ,وكما ستكون العامل الأساسي في تحقيق الشخصية الإيجابية التي بدورها ستقبل التكيف والتأقلم مع المحيط الذي يمر به الفرد ,لذا يعتبر التنظيم جوهر تحقيق التوازن بين الشكل والمضمون في تكوين المعنويات التي تعتبر وتتشكل من خلال عملية التنظيم.

هذا يقودنا الى أهمية النظيم في بناء المجمع والشخصية معاً, ومن دون اتلنظيم سيصبح المجتمع والأنسان في خلل كبير يترتب عليه الفشل المحتوم .الشخصية هي اللبنة الأولى في تكوين الأنسان الذي بدوره هو النواة الأساسية في تشكيل المجتمع ,لذا التنظيم يعني الترتيب في الأفكار والمعتقدات والأحاسيس والعواطف والبيئة المساعدة في تكيف الانسان مع محيطه المادي والمعنوي ليشكل فعالية في المجتمع .التنظيم يشكل أساس المعتقد والدافع الى تحقيق النجاح ,وكما على صعيد الشخصية نلاحظ التنظيم الفكري والمادي بكل جوانبه قاد الى بروز قادة أو شخصيات قد غيرت مسار التاريخ من أمثال الرسل والقادة العظام لتتحول هذه الشخصيات الى معتقد أو مدرسة أو نهج تتناقلها الأجيال كمدرسة البارزاني الخالد التي تعتمد على التنظيم الفكري بكل جوانبه لتؤدي بالإنسان الى التضحية بحياته ,ونيل أعلى درجات الشهادة في سبيل معتقده في محاربة الظلم من اجل الحرية.

التنظيم يؤدي الى خلو الفكر وتنقيته من الشوائب لتصبح فاعلة في تحقيق غاية نبيلة. التنظيم عملية كاملة ومكملة في الشكل والمضمون في تكوين الشخصية القوية في المجتمع من خلال تامين الترتيب وعدم الخلط بين كل ما يؤدي الى النجاح والفشل ,والأمر الذي يتحتم علينا عرض مقومات التنظيم والتي تتكون من توافر الإرادة والتصميم وترتيب الأفكار والعواطف والمستلزمات المادية في البيئة المحيطة بالإنسان ليؤدي دوره الفاعل في المؤسسة أو الحزب و المجتمع والدولة ,ولولا التنظيم بجانبيه الفكري والمادي لما شهدنا تشكيل امبراطوريات وحضارات ودول قوية مسيطرة على العالم اقتصادياً وفكريا وعسكرياً ,وكما أن التنظيم كان السبب الأساسي في قيام ثورات في محاربة الديكتاتوريات .

عدم التنظيم يعتبر كذلك السبب في انهيار الكثير من الدول أو بقائها في ركب دول البعيدة عن الحضارة ,وعدم التنظيم يخلق الفساد بكل أشكاله في المجتمع أو الحزب أو الدولة وكذلك عامل مهم في بقائها في ركب الفشل والترهل. التنظيم هو العامل الأساسي الذي يبنى عليها استراتيجيات وأيديولوجيات الدول المتقدمة من خلال وضع الخطط السليمة في التقدم وتجنب الفشل. عدم التنظيم الفكري كان السبب الأساسي في تكوين أيديولوجيات لدى دول الشرق الأوسطية في الحاجة الى التغير مثلما حدث في ما يسمى الربيع العربي ,وكما أن عدم التنظيم بشقيه الفكري والمادي في بناء الأنسان والمجتمع كانت السبب الأساسي في ما تعانيه الحركة السياسة الكردية في كردستان سورية من عدم القدرة على مواكبة التطورات المتسارعة والمستجدات العالمية والإقليمية والدولية منذ بداية الأزمة السورية الى الأن من خلال عدم قدرة الحركة السياسية الكردية من الاستفادة من التنظيم بكل أشكاله والاعتماد على الشخصنة والفردية وعدم التنظيم والمؤسساتية في العمل ,وعدم بناء الأنسان السليم ليشغل المسؤولية السليمة ,وبالتالي عدم التنظيم قاد مكونات الثورة السورية و الأحزاب والكيانات الكردية وما تسمى الإدارة الذاتية في سورية الى عدم الاستفادة من مكونات التنظيم السليم والاستمرارية في دوامة الترهل والفساد الذي يعجز عن تفادي الفشل.

التنظيم يكمن في ترتيب الاولويات والقدرة على احتواء جميع مكونات المجتمع والاعتماد على الأكاديمية في تفعيل عمل مؤسساتي في استيعاب الشباب والطلبة والمرأة وجميع مكونات المجتمع من خلال تنظيمهم في بوتقة العمل المشترك المتكامل البعيد عن العشوائية والمزاجية في العمل .من خلال عرض كل مما سبق ما يهمني هو وضع القارئ الكريم في أهمية التنظيم ودوره الكبير في بناء الشخصية والإنسان والمجتمع في قيادة عمل منظم فكرياً من خلال عقيدة وإرادة قوية تقود الى عمل مؤسساتي ناجح ,وكذلك توفير جميع المستلزمات التي تقود الانسان الى التكيف مع نفسه ومع المجتمع ليكون الإدة الأساسية في بناء المؤسسة او الحزب او الدولة

المقال يعبر عن رأي الكاتب

2875