الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي والانعطاف الاستراتيجي الكبير في المنطقة
الاتفاق الإماراتي /الإسرائيلي والانعطاف الاستراتيجي الكبير في المنطقة
فؤاد عليكو _ جريدة يكيتي
لم يكن التفاهم بين إسرائيل والإمارات وليد الصدفة وحديث العهد، بل كان نابعا عن حوارات استراتيجية معمقة بين الطرفين منذ فترة طويلة، ولم تكن الإمارات الدولة الوحيدة بين طرفي المعادلة، بقدر ما كان ممثلا عن عدد كبير من الدول العربية في هذا المسعى ( الاستراتيجي) وسينكشف ذلك تباعاً، خلال الشهور القادمة.ولعل الدافع الأساسي لذلك هو حاجة الطرفين(العربي/الاسرائيلي) لمثل هذا التفاهم اليوم، نظرا للاضطرابات الكبيرة التي تعيشها المنطقة على الصعيد الجيو/سياسي.
بالعودة إلى فترة القرن المنصرم، نلاحظ بأن الصراع كان على أشده بين العرب وإسرائيل، تخللتها عدة حروب دامية دون تحقيق أي نصر عربي في هذا الصراع، لا بل كانت الخسائر هي الطابع السائد في كل معركة،حينها وجد الرئيس المصري الأسبق أنور السادات هذا الصراع مع إسرائيل عبثي، وقام بالاعتراف بإسرائيل وإنهاء الحرب ثم تلاه الأردن، وتوقف الأمر عند ذلك الحد، رغم حدوث لقاءات سرية هنا وهناك بين إسرائيل وبعض الدول العربية والتي ظهرت للعلن، بشكل خجول، في بداية القرن الحالي.
يأتي هذا التحول الكبير كنتيجة طبيعية للتمدد الإيراني والتركي على الجغرافية العربية بشكل ملفت ومتسارع في بداية الألفية الجديدة، حيث سيطرت إيران على القرار السياسي والعسكري في العديد من عواصم الدول العربية (العراق-لبنان-سوريا-اليمن) وباتت أشبه ما تكون بمحميات لها وهي مستمرة في تمددها، وعينها الآن على عمان والبحرين، كما باتت تهدد بقية دول الخليج بالسيطرة، وهي الآن في حرب ضروس بالوكالة مع السعودية والإمارات في اليمن.
أما تركيا فقد كانت حليفا استراتيجيا لدول الخليج وعنصر حماية لأمنها من التدخل الإيراني حتى فترة قريبة ، لكن انقلاب السيسي على" الإخوان المسلمين" في مصر وبدعم سعودي/ إماراتي أثرت بشكل كبير على العلاقات التركية الخليجية/ المصرية قاربت من مرحلة القطيعة بينهما، خاصة بعد مقتل جمال الخاشقجي في القنصلية السعودية في استنبول، وكذلك بعد تضامن تركيا مع قطر في خلافها مع دول الخليج ومصر وعقدت تركيا معاهدة الدفاع المشترك مع قطر وبناء قاعدة عسكرية فيها ،إضافة إلى تدخلها بقوة في سوريا من خلال المعارضة السورية وازاحة تأثير السعودية على الملف السوري إلى حد كبير، عدا عن تدخلها العسكري في ليبيا بشكل مباشر إلى جانب حكومة السراج المحسوبة على التيار الاسلامي ضد حفتر الموالي لمصر ودول الخليج، حيث وصل التصعيد بينهما في الشهر الماضي إلى حافة مواجهة عسكرية وشيكة بين مصر المدعومة خليجيا وتركيا في خليج سرت، لولا التدخل الأمريكي على خط التهدئة ولازالت الأمور في حالة ترقب وحظر بين الطرفين، عدا عن بناء تركيا لقاعدة عسكرية في الصومال المطل على مضيق باب المندب الاستراتيجي.
كل ذلك دفعت بالدول الخليجية إلى التفكير جديا بإعادة النظر بعلاقاتها مع إسرائيل وصولا الى تفاهمات استراتيحية مستقبلية تجنبها من خطر التمدد الإيراني والتركي معاً.
إذ لم تعد قضية فلسطين وحدها (قضية مركزية) بالنسبة للدول العربية، بل أضحت كل دولة عربية( قضية مركزية) بحد ذاتها، ويفترض حمايتها من خلال قيام تحالف استراتيجي بينها وبين إسرائيل الأقوى عسكريا في المنطقة.
أما بالنسبة لإسرائيل فهي أيضا بحاجة ماسة إلى مثل هذا التحالف، فالإضافة إلى فتح الاسواق العربية الواعدة أمامها والقيام باستثمارات كبيرة فيها ، فإنها أيضا تحس بالخطر الإيراني والتركي المستقبلي خاصة وأن أدوات المعارك العسكرية وحرب الجبهات قد تغيرت كثيرا في السنوات الاخيرة عبر تطوير منظومة الصواريخ البعيدة والقريبة المدى وكذلك الطائرات بدون طيار(الدرون)،مما يجعل من الصعوبة على اسرائيل حماية نفسها من الهجوم بهذه الأسلحة مهما كانت أنظمة دفاعاتها الجوية قوية، ضمن هذه المساحة الجغرافية الصغيرة والكثافة السكانية القليلة، حيث تتحول كل جغرافية إسرائيل إلى جبهة حرب، بينما الآخرون سيخوضون الحرب من بعيد إو بالوكالة من خلال الفلسطينيين أو دول الجوار (من هنا نفهم لماذا إسرائيل تريد الإبقاء على نظام بشار ضعيفا دون هيمنة إيران أو تركيا على سوريا).
إزاء هذا الوضع المستقبلي المقلق لإسرائيل من هيمنة احدى الدولتين أو كليهما على المنطقة،ارتأت بأن أفضل مخرج لها هو قيام تحالف عربي /إسرائيلي بغية توسيع رقعة جغرافية الحلفاء لتتمكن من فتح جبهات في مناطق بعيدة عن جغرافيتها، وهي تدرك جيدا ان هذا التحالف ممكن اذا ما أوجدت حلا للقضية الفلسطينية، الخاصرة الرخوة لها ونقطة ضعفها الرئيسية، أمام تقدم هذا التحالف نحو الهدف المطلوب.
من كل ما سبق نستنتج بأن حاجة وخوف الطرفين على مستقبلهما من تغييرات جذرية في الخارطة السياسية في المنطقة بات أمرا واردا جدا، وأن لاخيار أمامهم سوى بناء هذا التحالف الذي إذا تحققت فإن المنطقة ستشهد تحولات استراتيجية كبيرة على ضوء التحالفات الجديدة، وسوف يترتب على كل طرف من أقطاب هذه المنطقة الساخنة(الشرق الأوسط) أن يعيد النظر في حساباتها الاستراتيجية من جديد.
المقال يعبر عن رأي الكاتب
751
