احتجاجات في درعا لوقف الملاحقات الأمنية… والنظام يطالب بتسليم المنشقين

احتجاجات في درعا لوقف الملاحقات الأمنية… والنظام يطالب بتسليم المنشقين

Aug 12 2020

ارك نیوز... يمرّ الجنوب السوري بمستوى غير مسبوق من الفوضى منذ توقيع اتفاق التسوية في تموز/ يوليو 2018 إذ أخفقت مساعي النظام السوري وحلفائه بعد قرابة عامين في تحقيق الأهداف التي كانت موضوعة للمنطقة، والقائمة على فرض الاستقرار العسكري والأمني عبر جملة من الإجراءات مثل إعادة تشكيل شبكة الوسطاء المحليين ونزع سلاح الفصائل وتأمين طرق الإمداد والنقل بإقامة المقرّات والحواجز الأمنية والعسكرية.
ومنذ أن أفرغت المنطقة الجنوبية من كل قوى المعارضة العسكرية، باتت المنطقة مسرحا لاحتجاجات شعبية مطالبة بإيقاف عمليات الاعتقال التعسفية التي تستهدف المدنيين والمقاتلين السابقين في المعارضة، بنية إخضاع مدن وبلدات المنطقة، في الوقت الذي لا تزال فيه المحافظة تشهد العديد من عمليات الاغتيال من قبل جهات مجهولة.
ومساء الإثنين، خرج العشرات من أهالي مخيم درعا باحتجاجات شعبية طالبوا خلالها بالإفراج عن المعتقلين من سجون النظام، ورفعوا شعارات طالبت بايقاف الملاحقات الأمنية، كما أشعل المحتجون الإطارات وأغلقوا الطرقات المؤدية إلى المخيم، وسط استنفار أمني وعسكري من قبل قوات النظام السوري.

شبكة تجمع «أحرار حوران» العاملة في درعا، وثقت 1144 حالة اعتقال في محافظة درعا منذ إبرام اتفاق التسوية بين النظام السوري والمعارضة فيها في يوليو/ تموز من عام 2018 ووفق المصدر، فإن الاعتقالات شملت 453 مدنيا، في حين رجّح مدير مكتب توثيق الانتهاكات في «التجمع» أن العدد الفعلي لمعتقلي المحافظة تجاوز 1500 معتقل، ولكن يصعب توثيق بعض الحالات أو الوصول لمعلومات عنها بسبب الأوضاع الأمنيّة في المحافظة، وتحفظ الأهالي عن نشر الأسماء خوفاً من بطش النظام.

ووفقا للمصدر فإن حملات الاعتقال والمداهمة المنفذة من قبل مخابرات النظام في درعا لم تتراجع رغم توقيع اتفاق التسوية وإخراج مسلحي المعارضة من المحافظة، حيث طالت الاعتقالات بشكل أساسي، الشبان الذين هم في سن الخدمة العسكرية وصولا إلى المقاتلين السابقين في الجيش الحر ممن أبرموا في تموز/ يوليو من عام 2018 اتفاق تسوية مع دمشق، إضافةً إلى الناشطين المدنيين.

من جانب آخر، أوقفت قوات النظام السوري، مخطط اقتحام بلدة «جاسم» في ريف محافظة درعا الشمالي، بعد مفاوضات شاقة خاضها وفد من المدينة مع اللجنة المركزية في درعا، وقيادات من اللواء الثامن الموالي للجيش الروسي، حيث شهدت المدينة خلال الأيام الماضية، انتشارا عسكريا لقوات النظام، وإقامة حواجز عسكرية لتقطيع أوصالها، وذلك بهدف اقتحامها عسكريا من أطراف عدة.
ونقل تجمع «أحرار حوران»، عن مصدر مسؤول قوله إن رئيس اللجنة الأمنية التابعة للنظام، اللواء «حسام لوقا» طالب وفد المدينة بتسليم المنشقين والسلاح في المدينة، وتسوية أوضاع المطلوبين، وهي خطوة استباقية للالتفاف على مطالب الأهالي المتكررة بالإفراج عن المعتقلين من أبناء بلدة «جاسم».
وتعتبر «جاسم» في ريف درعا، إحدى البلدات التي شهدت تطورات هامة خلال الأسابيع الماضية، من تصاعد عمليات الاغتيال بحق قيادات سابقة في المعارضة السورية، إلى مواجهات مسلحة تكررت مرات بين مجموعات محلية ومخابرات النظام السوري.
وبعد مفاوضات استمرّت ثلاثة أيام تمكن خلالها الوفد المفاوض عن المنطقة من تجنبيها عواقب اقتحام مؤكد، مقابل تأجيل البت في ملف المعتقلين بشكل كامل.

فيما أشارت مصادر محلية، إلى أن سبب توجه النظام السوري لاقتحام المدينة يعود إلى وجود 45 اسما مطلوبا فيها وهم «من أبناء المدينة»، كانوا في السنوات الماضية ضمن فصائل الجيش السوري الحر، ويمتلكون بطاقات تسوية «مصالحة» صادرة عن دمشق، لكنهم يرفضون الانضمام إلى قوات النظام أو الميليشيات الموالية له.
ومنذ مطلع عام 2020 عمد النظام السوري وحلفاؤه إلى رفع مستوى التدخّل الأمني لاحتواء مظاهر الفوضى في جنوب البلاد، خصوصاً وأنّ العديد من المناطق في محافظة درعا بقيت عبارة عن مربّعات أمنية لفصائل التسوية، مع غياب أي مؤشر لإعادة بناء الثقة بين الطرفين على أساس الولاء للسلطة من جديد، بسبب ممارسات النظام السوري وإيران وعدم التزام روسيا بتعهّداتها.
وقد يكون الجنوب السوري، حسب الخبير السياسي «محمد سرميني» أمام خيارات جديدة؛ في ظل إعادة جميع الفاعلين النظر في جدوى اتفاق التسوية الذي تم توقيعه قبل سنتين تقريباً؛ فالولايات المتّحدة وإسرائيل لم تشهدا انسحاباً لإيران مثلما تعهّدت روسيا بذلك، وهذه الأخيرة لم تستطع تحقيق إصلاح عسكري وأمني ينسجم مع استراتيجيتها في سوريا.
ومن بين ثلاثة خيارات قد تكون درعا مقبلة عليها، يُمكن استبعاد عودة العمليات العسكرية إلى شكلها التقليدي قبل توقيع اتفاق التسوية، في حين يبقى خيار التدخل الأمني بمستوى مرتفع على غرار ما حصل في الصنمين في آذار/ مارس 2020 هو المرجّح، بدون استبعاد استمرار خيار التدخل الأمني بمستوى منخفض الذي لطالما استخدمه النظام السوري وحلفاؤه خلال الفترة السابقة.
وفي كلا الاحتمالين الأخيرين، يرى المتحدث لـ «القدس العربي» أن النظام السوري وحلفاءه قد يكونون أمام اختبار كبير، فإن تم استخدام الخيار الأمني بوتيرة مرتفعة بدون ضمان عزل مناطق درعا ضمن مربعات أمنية أو عدم تدخّل أحد الفاعلين الدوليين لصالح فصائل التسوية والسكان المحليين، ستكون المنطقة أمام انهيار كبير قد يصعب احتواؤه، وفي حال استخدام الخيار الأمني بوتيرة منخفضة، قد يستمر استنزاف النظام السوري وعدم تحقيق أهداف التسوية.
ويُمكن الاعتقاد أنّ روسيا لا ترغب بحصول انهيار في جنوب سوريا، بل قد يكون موقفها قائماً على عدم التدخّل لصالح النظام السوري، حتى يتسنّى لها إعادة احتواء أي تصعيد محتمل والاستفادة من ذلك في مفاوضات محتملة مع الولايات المتّحدة وإسرائيل حول مستقبل المنطقة لا سيما بخصوص تواجد إيران.
وفي رأي «سرميني» فقد أثبت نموذج درعا أنّ معظم التفاهمات الأمنية والعسكرية التي جرت في سوريا كانت وما تزال هشة وضعيفة؛ نظراً لغياب إرادة ورغبة وأحياناً قدرة الفاعلين الدوليين على اعتماد سياسات تؤدي إلى الاستقرار ومن ثم الحل، مما يعني أن أي اعتماد للخيار الأمني مجدداً لن يجدي نفعاً.

921