عن تزاوج العنف والاستبداد
عن تزاوج العنف والاستبداد
شفان إبراهيم _ ليفانت
تتحدّث حَنّة أرندت عبّر كتّابِها “في العنف” بتعمق كبير، وكأبرز الفلاسفة الذين تصدّوا لقضية العنف والسلطة والتزاوج البيني، وعن الحروب والثورات التي تستغلها السلطة، وتلجأ للعنف كوسيلة أساسية للسيطرة على الأجساد والأذهان، وحصار الجغرافيات التي لا يتوافق سكانها وسياسات الأنظمة القمعية، جاعلةً منها معولاً رئيساً لاستمرار حكمها، وخلقِ ظروفٍ أمنيةٍ غير مستقرّة. العنف
فعادةً ما تتولد السلطة من المجتمع الديمقراطي الذي يحكمه القانون، بيد سرعان ما تسعى الأنظمة الشمولية صوب إيجادِ منفذ لديمومة بقائها، فلا تجدُ في أكذوبة العدو الخارجي سوى أفضل الطرق والأدوات التي يُعوّل عليها ولعقودً طويلة؛ لتثبيت أركان حكمها. خاصة وأنّ هذا العدو الخارجي بوجوده أو بحالته الافتراضية، هو أفضل ظرفٍ تستفاد منه الأنظمة لخلق شمولية ودكتاتوريات أكبر تعترض طريق النمو الطبيعي للمجتمع، وتؤثر في بنيته، فيتهيأ العنف ويجد الطريق معبداً أمامه. وفي لحظة ما تتحول إلى ممارسة العنف المفرط سجناً ومحقاً وقتلاً وخنقاً للأصوات المُنَاوئة لها، خاصة حين لا تجد السلطة من يقف بوجهها، ومستفيدة من مُجمل الظروف المحيطة. والأكثر وحشية أنّها تلجأ إلى ممارساتها العنفية ضد أصدقائها وأعدائها على حدّ سواء، حينها يكون الشعب أمام تولد الدولة البوليسية التي تلتهم أبناءها.
لم تحتار الأنظمة العربية في أمرها للإجهاز على السلطة وضمان بقائها، فكان العنف والإرهاب أفضل السبل وأسهلها لتنفيذ مآربها. وإن كانت الشعوب، سابقاً، خائفة من نار الانتقام والقبضة الأمنية، وكانت تهمة الإرهاب وممارسة العنف ضد الدولة ومؤسساتها شعاراً تحول إلى سُعَار، وتُهمة وجدت طريقها لحصار النشطاء والمثقفين والأجسام السياسية المعارضة. إلا أنّ الانفجار الشعبي والمجتمعي في دول الربيع العربي، ماهي سوى نتائجَ تراكمات وردّة فعل شعبية، ضد اللحظة الحاسمة التي استفادت منها الأنظمة العربية من أحداث 11 أيلول، ذاك الحدث الذي دفعت الشعوب العربية نتائجه، حيث يحمّل أو حمّل المسلمون، على غير وجهِ حقً، مسؤولية ما جرى. واستغل الحدث، غربياً، لتكون الحلقة الأقوى للوقوف في وجه أي مشروع نهضوي، كنتيجة لتراكم المطاليب الشعبية للخلاص من رتم المعيشة بشتى ميادينها آنذاك. حيث ضغطت الدول العظمى على الأنظمة العربية لتشكيل جهاز مكافحة الإرهاب وملاحقة فلول الإرهابيين، من ضمن نطاقهم الجغرافي أو التعاون الإقليمي وحتّى الدولي، في مواجهة هذه الجائحة والآفة.
بالمقابل فإنّ السلطة الديمقراطية والعنف لا يجتمعان ككيان قائم بذاته، وبل إنّهما في البداية يتصارعان ويتخاصمان، ويكون النصر حليف العنف مع الأنظمة الدكتاتورية. في المقابل فإنّ المجموعات السياسية والتعددية الحزبية والممارسات الديمقراطية تبيح للسلطة عدّم احتياجها لتبرير وجودها، كون العلاقة عضوية بينهما. فوجود الحياة السياسية جزء عضوي من وجود السلطة الديمقراطية، فقط تحتاج إلى الشرعية التّي تمنحها التعددية والتداول السلمي والديمقراطية. بعكس العنف الذي يُبرّر أحياناً خاصة في الأزمات لكنه غير لقيط في وجوده، إنما يتحول أداة للشموليات بغية إنهاء الحياة السياسية والحفاظ على وجودها، بعيداً عن قضايا حقوق الشعوب ونقل السلطة سلمياً.
وتلك اللحظة الحاسمة التي رغبت الدول العظمى في جعل الإرهاب والعنف “كسيف دموقليس” مُسلطاً على رقاب الحكام، استفادت منها الأنظمة العربية، وقلبت المعادلة وصوبت بنادق مكافحة الإرهاب صوب المثقفين والكتّاب والمعارضين، ومارست العنف بأعلى تجلياته ضدهم. وهي بالمحصلة نقطة تقاطع وتلاقي مصالح بين الأنظمة وبقائها، ومصالح الدول العظمى في بقاء الشعوب العربية وغير العربية تحت مخلفات التخلف الفكري، وإبقاء المواطن في دائرة المواطن السلعي بدلاً من المواطن الفرد.
يقيناً، الفكر العربي نفسه يتحمل مسؤولية كبيرة في ما حل بأوضاعهم، فهو لم يقدّم شيئاً على الرغم من دعاوى الإصلاح، لكنه كان دوماً يتوقف عند حدّ النزعة العروبية الضيقة من جهة، ومن جهة أخرى التضييق والضغط باتجاه المحافظة على الواقع المُعاش.
المشكلة في علاقة العنف والسلطة، أنّ كفة التطور ترجّح للأولى، وإن على حساب الثانية مادياً ولوجسيتاً. فأدوات العنف وقدراتها التدميرية حظيت في العقود الأخيرة بتطور كبير، وأصبح من الممكن القول إنّها تتجاوز الغايات السياسية، ولم يعد من الممكن تبرير استخدامه في الحروب والخلافات السياسية؛ لأنّ العنف الممارس اليوم لا يشبه الحروب التي كانت تقوم على نصر وهزيمة أحدهما، بل إنّه يؤدّي إلى هزيمة الطرفين معاً المُعنَّف والمُعنِّف. كل ذلك يُحيلنا إلى أنّ سباق التسليح هو الجانب الأساس في العنف وترويجه، وبشكل أعمق فإن هذا السباق الجنوني ما عاد لأجل الحماية، إنما قائمٌ على أساس أنّ “المزيد من الردع هو خير ضامن للسلام”. خاصة وأنّ العنف وكونه متمايزاً عن السلطة أو القوة فهو بحاجة دوماً إلى أدوات تقنية، فانقلبت القضية إلى مزدوجين، أحداهما يتعلق بالمجال العسكري، والأخر بممارسة العنف كركيزة وجوهر للإرهاب.
سباق التسليح هذا كان شرطاً كاذباً لتحقيق الاستقرار، إذ لا مصداقية للتنمية والتطلعات الإنسانية التي تسعى الشموليات لإصباغها على أقوالها وشعاراتها ووعودها، منفصلاً عن رغباتها وما تسلكه لتحقيق ما تقوله. خاصة الإدعاء بأنّ الردع عبر زيادة الترسانة العسكرية خيرُ طريق صوب السلام، ما كان سوى مُمَهد للحُطام المؤكد، إذ ما كانت فواتير المزيد من السلاح سوى مزيد من الدمار، والمزيد من القضاء على مستقبل الأجيال، تعليماً وتنشئة وانهياراً لفرص العمل، والمزيد من العنوسة والتوحش والفردانية والاغتراب الداخلي والخارجي، وارتفاع معدلات الانتحار. فكانت المنفعة المتبادلة بين الدول المُصعنة للسلاح، والأنظمة التافهة المتهافتة لشراء السلاح، بغية توجيهها صوب الداخل، وتأمين استمرار حكمهم.
فيرتفع العنف إلى الأعلى على حساب حضارتنا وذواتنا وحياتنا، فيصبح عنصراً تعسفياً قاهراً ماحقاً. حين ذلك فإنّ الحروب أو المواجهات المباشرة عبر الأذرع العسكرية والمستندة على قاعدة “التسليح حيث الردع مدخل السلام”، فإنّ ميدان القتال لن يبقى فيه أيّ يقين بالمصالحات أو الحفاظ على الأبرياء. فمطوري وسائل الدمار ومع التطور التقني أوضحت أنّ غاياتهم كلهم الحرب فحسب، خاصة وأنّ الحرب على الإرهاب تقوم على أرض ثالثة، كما هو الحال في العراق، سوريا، اليمن، أو فاقدة للردع من أجل السلام، حيث تبدأ بالتهديدات ثم التصعيد وتنتهي بمزيد من المحن والمآسي.
ميدان العنف اليوم، هو ما يُحيلنا إلى البحث عن جواب لسؤال واحد أرهق البشرية، هل الحرب دوماً مردّها إلى رغبة عدوانية متأصلة في ذواتنا، أو هي تتمة رغبة قتل دفينة لدى الصنف البشري؟. أو هل يمكن إعادة الحرب ورغبة البشر إلى الحروب والغريزة العدوانية التي لا يمكن قمعها، أم أنّ الجشع المالي والاقتصادي يشكل الدافع الأبرز نحو العنف؟. إنّ المحاججات التي تقول أن لا سلام إلا بعد الحرب، يمكن النظر إليها وفق حاملين متعاكسين، الأول: فهؤلاء يتناسون أن البطالة والتوحش والإرهاب كلها، ما هي سوى إحدى نتائج صراع التسليح والتطور التقني لاستعمال العنف، عدا أنّه بعد انتهاء الحرب ثمة أجيال مليونية تدفع ثمن تلك الحروب من مصيرها ومستقبلها. والثاني: مؤسف أنّ هناك حقيقة ثابتة، لم يوجد بديل حتّى اليوم عن هذا الحكم الحاسم، الردع والتسليح لأجل السلام، في الشؤون الدولية جلياً على مسرح العمل السياسي في دول الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وأوربا الشرقية إلى فترةً قريبة، ورُبما مُستندين على مقولة توماس هوبس “المواثيق في غياب السيف ليس أكثر من كلمات”، فيلجؤون لمزيد من العنف والدمار.
ووحدها الدول التي لا خطر يحيق بأسس جمهوريتها، داخلياً بالدرجة الأولى، وثم خارجيتها، تبقى بعيدة عن مظاهر العنف، لطالما الاستقلال الوطني غير مفصول عن سيادة الدولة، وغياب السيطرة الأمنية، وحلول مفهوم الأمن على قاعدة الانتماء والأمن الوطني. لكن الدول الدكتاتورية والفقيرة بالتسليح، تعود مجدداً إلى قاعدة لا بديل عن النصر، لتصدير أزماتها، فتلجأ إلى الحل العسكري مُجدداً، وتبقى الأجيال رهينة تلك العقليات التّي أرسلت كُل حكمائها وعقولها للخارج، وبقيت تنتصر على شعوبها فحسب، إلى حين اعتماد الداخل على الخارج لإزاحة نظام الحكم.
المقال يعبر عن رأي الكاتب
964
