هواجس كردية شعبية من المشاريع السياسية

هواجس كردية شعبية من المشاريع السياسية

Jul 06 2018

هواجس كردية شعبية من المشاريع السياسية
شفان ابراهيم
يعيش الكُرد في سوريا صراعين في وقت واحد. صراع عام مع الأطراف المتصارعة /نظام ومعارضة/ وسعّي كلٌ منهما لإنهاء الأخر والوصل إلى السؤود السياسي، يرافقه قلق كوردي مضطرد بعدم الحصول على حقوقه القومية التي أعلن عنها.
وصراع خاص. ظاهره عكس باطنه. حيث إن طبيعة الخلاف – الصراع الكُردي /الكُردي في سوريا يعود إلى صراع فكري سياسي للوجود والمستقبل الكُردي في المنطقة برمتها وليس سوريا فحسب. وربما أمكن تسميته بمستقبل المشاريع الكُردية في الشرق الأوسط، ودور وتموضع الكتل السياسية الكُردية إقليما ودوليا، والدور المرحلي والمستقبلي للأحزاب الكُردية والكُردستانية على حدً سواء في الصراع العالمي الحالي ومستقبل المنطقة كُلها. وكتحصيل حاصل لخلاف المشاريع الكُردية ثمة خلافات حادة في التطبيقات العملية للبرامج السياسية لكل طرف، لجهة التعاطي مع الحلول المطروحة للقضية الكُردية.
يتوزع الكُرد في سوريا في ولائهم السياسي بين ابرز قطبين للحركة الكُردستانية، وهما الديمقراطي الكُردستاني "نهج البارزاني، والعمال الكُردستاني " فلسفة أوجلان"
ويجد الشارع الكُردي السوري نفسه إزاء حركتين متناقضتين للقطبين الكرديين المتنافسين في سورية كامتداد للصراع بين القطبين الديمقراطي/ العمال حول الدولة الكردية والأمة الديمقراطية. فالاتحاد الديمقراطي وبعلاقته مع العمال الكُردستاني، يتحرك وفق أطر الحل المقبولة ضمن حدود القطر الجغرافي والقائم على منع أي فيدراليات قومية خاصة، اشتغل عبر أكثر من ثلاث سنوات على تحالفات متناقضة.
يقابله "المجلس الوطني الكُردي"، الذي لم يحدد جغرافية سياسية معينة للمناطق التي يرغب بإدارتها والتي يقول إنه ينطلق من حقائق تاريخية فيُسميها (كوردستان سورية) ويؤكد أنها تتبع للدولة السورية، في شكل إتحادي على أساس فدرالية قومية جغرافية.
يعمل المجلس في إطار المعارضة السورية، التي هي على خلاف مع حزب الاتحاد الديمقراطي؛ الأمر الذي يخلق ردة فعل قاسية في تعامل الاتحاد الديمقراطي مع المجلس. وفي الوقت ذاته فإن تكتلات سياسية كثيرة ترفض طرح المجلس حول فيدرالية قومية أو غيرها من أنواع الفيدراليات.
يتحرك الكُرد في سوريا باتجاهين مختلفين، وكليهما يطرح مشروع فدرالي، ومع فقدان الانسجام بين الطرحين، يدفع برهان رغبة السيطرة على المشهد السياسي الكُردي للواجهة دوماً.
فالإتحاد الديمقراطي بدا بتجميل خساراته وفشل مشروعه بعد عملية غصن الزيتون والانسحاب من منبج، وإمكانية عودة النظام إلى محافظة الحسكة أو الدخول في تفاهم جديد قائم على إلغاء ما تم الإعلان عنه سابقاً.
والمجلس الكُردي لايزال ضمن أروقة المعارضة والهيئة العليا للتفاوض، وأصبح ككيان مستقل، والتي لم تصل إلى اللحظة لتفاهمات حول شكل الدولة ونظام الحكم المستقبلي، إن نجحت المعارضة من حكم الدولة السورية.
وهو ما يدفع بعامل التفرقة الداخلية، بين أن يكون طرف كوردي جزء من مادة للمساومة بين الدول الكبرى، وبين أن يكون جزء حقيقي من الحل أو القرار، وهو المفقود كُردياً حتى الآن. ما يعني أن كُرد سورية يعيشون في خطر متوقع خاصة وأن تسارع الأحداث حول المرحلة الانتقالية في سورية غير واضح، ولاسيما دور وموقع الكُرد فيها.
إن التقارب الكُردي-الكُردي المأمول شعبياً ونخبوياً والذي سعى إليه البارزاني خلال أربع اتفاقيات سابقة بين الطرفين الكُرديين في سورية، لم ترى مُخرجات أي منها النور؛ ما يُعجل من مخاوف الكثيرين من أي انهيار أو تصادم حاد للجبهة الكُردية داخلياً أكثر مما هي عليه اليوم، واستغلالها من لدن جهات معارضة للتطلعات الكُردية، واستغلالها لحالة الخلاف المتجذرة.
تفاوت الرؤية السياسية الكُردية في سورية بين الأممية والحقوق القومية، يضع الكُرد أمام اختيار أحد الحالتين لا ثالث لهما:
أولاً: إما الدفع باتجاه إلغاء أي بذور للدولة المركزية ووسطها السياسي عبر تطبيق النظام الفدرالي،وحتى هذه منقسمة بين الفدرالية التي يطرحها المجلس الكُردي والفدرالية المطروحة من قبل الاتحاد الديمقراطي
ثانياً: أو العمل على إعادة هيبة وسطوة الدولة المركزية.
فالحالة الأولى تدفع بالكُرد في سورية إلى التبني الصارخ للنظام الفدرالي الاتحادي بخصوصية قومية كوردية.
لذا فإن المجلس الكُردي بحاجة إلى قوة عسكرية ومخطط جغرافي ودعم دبلوماسي قوي للحصول على الكيان المطلوب، خاصة مع عدم وجود تصور موحد تتبناه المعارضة السورية اتجاه المكوّن الكُردي كقومية ذي خصوصية في سورية ونوعية الحكم وشكل الدولة وإصرار بعض أطراف المعارضة على عروبة سوريا.
الطرف الثاني من الحالة الأولى تتجلى في دعوات الاتحاد الديمقراطي إلى إنشاء كيان يضم السوريين جميعا حيث ورد في دباجة العقد الاجتماعي لفدرالية شمال سوريا النظام الفيدرالي الديمقراطي التوافقي الذي يضمن مشاركة كل الأفراد والجماعات وعلى قدم المساواة في النقاش والقرار والتنفيذ ويراعي الاختلاف الاثني والديني وفق خصائص كل مجموعة منظمة على أسس العيش المشترك وأخوة الشعوب. لكن من أكثر ما يُعيب هذا النوع من الفدرالية إنها مُعلنة قبل أن تنال موافقة الطرف الكُردي الأخر وباقي المكونات، وقدّ نالها الإعياء والانهيار أكثر مما حققته من تثبيت أو مكتسبات.
أو الخوض في الحالة الثانية للحل المتجلي في البحث عن مشتركات وتقاطعات كوردية مع المعارضة السورية، والعمل على خلق مشروع وطني بهوية سورية جامعة بين كل الأطراف السورية، بعيداً عن أي طرح لشكل الدولة الاتحادية.
طرح الاتحاد الديمقراطي مرفوض جملة وتفصيلة من لدن المعارضة السورية وحتى أوساط من العرب والمسيحيين وباقي مكونات الشمال السوري. خاصة وأن التدليل على أخوة الشعوب عبر طرح رئاسة مشتركة من وضع شخصية عربية أو مسيحية إلى جانب شخصية كوردية في مختلف المراكز والمناصب بما فيها رئاسة المقاطعات، لا ترمز إلى الطرح المبني على حقيقة العيش المشترك.
فالكُردي لا يتقبل أن يتم إلغاء مفهوم الأمة الكُردية في سبيل مسايرة الأخر المختلف، في حين أن الأخر ذاته لا يجد في تبوئهم لمناصب مشتركة دليل على التعددية السياسية والثقافية، مستندين على شكلية الرئاسة المشتركة لجهة انحصار القرار بيد الجهة الكُردية في المنصب، إضافة إلى مخاوف المكون العربي من عدم رضى الشارع الكُردي لطروحات الأمة الديمقراطية ونظام المقاطعات.
الحالة الأول -فدرالية قومية جغرافية- مرفوضة لمخاوف إقامة كيان كوردي، ويعاني من زيادة الضغط الشعبي والرغبة بمعرفة البوصلة الكُردية في المرحلة المقبلة. والحالة الثاني –مفاهيم الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب- مرفوضة بحجة أنه لا يمثل إجماع وطني وتم دون موافقة أو استشارة السوريين، حتى ضمن هالته الكُردية أصبح يعيش موته السريري. وبين رفض المشروع القومي، ومُحاربة المشروع الجامع لمكونات شمال سورية، تعيش القضية الكُردية في سورية مرحلة يمكن وصفها بالقلقة.
ربما يتوجه مناصرو فيدرالية شمال سورية وحتى أعداد كثيرة من الطرف الكُردي الأخر، نحو الحقوق الكُردية ضمن دولة المواطنة، في حال لم ينجح أي طرف كوردي من فرض مشروعه الذي يُنادي به، فحالة الاستياء في الشارع الكُردي يمكن أن تدفع به إلى ارتفاع الصوت الكُردي نحو العيش في دولة سورية بصيغة المواطنة بدلاً من العيش تحت رحمة مشاريع كفيدرالية شمال سورية، تلغي الخصوصيات القومية، أو مشاريع فدرالية جغرافية سياسية غير محمودة العواقب أو مضمونة من الداعمين. ولعل تجربة الكُرد في تركيا وتوجه مئات الآلاف للتصويت لحزب العدالة والتنمية بدلاً من حزب الشعوب الديمقراطية خير دليل، قِسّ على ذلك الفئات الكُردية الأخرى التي تقبع خارج الطرفين.



المقال يعبر عن رأي الكاتب

714