الصحافة الكوردية في سوريا وأزمة الثقة

الصحافة الكوردية في سوريا وأزمة الثقة

Apr 23 2026

الصحافة الكوردية في سوريا وأزمة الثقة.. عزالدين ملا

مع مرور 128 عاما على صدور أول صحيفة كردية، يعود السؤال الجوهري ليطرح نفسه بإلحاح، أين تقف الصحافة الكردية اليوم من المعايير المهنية التي وُجدت الصحافة أصلا لتحقيقها؟ هذا السؤال لا ينبع من رغبة في النقد المجرد، بل من قراءة واقعية لمسار طويل من التجربة الإعلامية الكردية، التي كان يُفترض أن تكون إحدى الركائز الأساسية في بناء وعي جمعي حديث، وفي نقل القضية الكردية من فضاء التهميش إلى فضاء التأثير والإقناع، لكنها ما تزال حتى اليوم تواجه أزمة هوية ووظيفة في آن واحد.

في السياق السوري المعقّد، وفي ظل التحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي عاشها الكرد خلال العقود الماضية، برزت الصحافة الكردية كأداة كان يُفترض أن تلعب دورا تأسيسيا في صياغة سردية متماسكة عن الذات والحقوق والمستقبل. غير أن هذا الحقل، رغم اتساعه العددي وتعدد وسائله ومنابره، لم ينجح في التحول إلى منظومة إعلامية مهنية مستقلة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل ظل في كثير من ملامحه محكوما بتداخل الإيديولوجيا مع المصالح، وبهيمنة الانتماءات السياسية على حساب أخلاقيات المهنة ومعاييرها.

ومع مرور الزمن، تراجعت الثقة تدريجيا بين هذا الإعلام والجمهور الذي يُفترض أنه يمثله. ففي الوعي العام الكردي السوري، لم تعد الصحافة بالضرورة مرادفا للحقيقة أو التحقق أو التوازن، بل باتت في كثير من الأحيان تُنظر إليها كامتداد مباشر لخطاب سياسي أو حزبي، أو كأداة تعبئة أكثر منها أداة معرفة. هذا التآكل في المصداقية لم يكن حدثا عابرا، بل نتيجة تراكم طويل لغياب الاستقلالية المهنية، ولتحول جزء كبير من الإعلام إلى ساحة تنافس داخلي بدل أن يكون فضاء عاما مشتركا.

أحد أبرز الإشكاليات البنيوية التي يمكن رصدها في هذا المشهد هو استمرار ارتباط الإعلام الكردي في سوريا بالهويات السياسية الضيقة. فبدل أن تكون الصحافة مساحة لإنتاج الحقيقة ونقد السلطة والواقع، تحولت في كثير من الحالات إلى امتداد لغوي وسياسي للأحزاب والتيارات المختلفة. وهكذا، باتت اللغة الإعلامية في كثير من المنصات انعكاسا مباشرا للخطاب الحزبي، لا محاولة لتجاوزه أو مساءلته. هذا الارتباط العضوي بين الإعلام والإيديولوجيا لم ينتج فقط حالة من التكرار، بل أسّس أيضا لبيئة إعلامية منقسمة على ذاتها، تعيد إنتاج الخلافات بدل أن تفتح أفقا لتجاوزها.

وعليه، لم يرتقِ كثير من الخطاب الصحفي الكردي في سوريا إلى مستوى الرسالة بمعناها الأخلاقي والوطني. فالمهنة التي يفترض أن تقوم على التحقق والحياد النسبي والمسؤولية تجاه الجمهور، انزلقت في حالات عديدة إلى استخدامات أخرى، أداة لتثبيت النفوذ الحزبي أو وسيلة لتصفية الحسابات الداخلية أو منصة لاستثارة العاطفة الجمعية بهدف الحشد والتعبئة. وهنا تفقد الصحافة وظيفتها الأساسية كسلطة رقابية وتنويرية، لتتحول تدريجيا إلى وسيلة تعبئة سياسية أو اجتماعية.

الأكثر خطورة من ذلك أن جزءا كبيرا من الإعلام الكردي السوري اتجه نحو الداخل بشكل شبه حصري، فانغلق على ذاته داخل دائرة تفاعلية مغلقة. خطاب يحاور نفسه ويعيد إنتاج ذات الشعارات ويدور في حلقة من السجالات الداخلية التي لا تكاد تخرج إلى فضاء أوسع. هذا الانغلاق جعل الإعلام يعيش حالة من الاستبطان السياسي، حيث يصبح الجمهور ذاته جزءا من إعادة إنتاج الانقسام بدل أن يكون طرفا في بناء وعي نقدي مشترك.

وفي هذه الحالة، يتحول الإعلام من جسر نحو الخارج إلى مرآة مكبرة للانقسام الداخلي. بدل أن يقدم القضية الكردية بوصفها قضية سياسية وإنسانية عادلة قابلة للفهم والتعاطف على المستوى السوري والإقليمي والدولي، ينشغل جزء كبير من الخطاب الإعلامي بإعادة إنتاج الخلافات الداخلية، أحيانا بلغة لا تخلو من المبالغة أو التحريض أو التبسيط المخل، ما يضعف الصورة العامة ويشتت الرسالة الأساسية.

ومن هنا، تبرز معضلة أعمق تتعلق بوظيفة الإعلام نفسها، هل هو أداة لصراع داخلي يعكس توازنات القوى داخل المجتمع الكردي السوري؟ أم أنه وسيلة لبناء خطاب سياسي جامع قادر على مخاطبة العالم بلغة مفهومة ومقنعة؟ الواقع الحالي يشير إلى أن الكفة ما تزال تميل نحو الخيار الأول، وهو ما يفسر جزئيا ضعف التأثير الخارجي للإعلام الكردي السوري، رغم عدالة القضية التي يحملها.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن غياب التقاليد المهنية الراسخة في العمل الصحفي وضعف البنية المؤسسية للإعلام وغياب التدريب المتخصص، إلى جانب تداخل العمل الإعلامي مع البنى الحزبية والتنظيمية. هذه العوامل مجتمعة أسهمت في إنتاج إعلام يفتقر في كثير من الأحيان إلى أدوات التحليل وإلى ثقافة التحقق وإلى المعايير التي تجعل من الصحافة مهنة مستقلة لا مجرد امتداد سياسي.

من هنا، يمكن القول إن الأزمة ليست تقنية أو شكلية بل هي أزمة رؤية عميقة لوظيفة الإعلام ذاته. فالإعلام الكردي السوري في جزء كبير منه لم ينجح بعد في الانتقال من إعلام الهوية إلى إعلام القضية. إعلام الهوية يظل محكوما بالدفاع والانغلاق والتمثيل الداخلي، بينما إعلام القضية ينفتح على الآخر، ويخاطب العالم بلغة حقوقية وإنسانية وسياسية عقلانية قادرة على بناء جسور الفهم والتأثير.

إن التحول المطلوب اليوم لا يعني إلغاء الخصوصية الكردية أو الذوبان في خطاب عام بل يعني إعادة تعريف هذه الخصوصية داخل إطار مهني أوسع، يسمح بتقديم القضية الكردية بوصفها قضية عادلة لا فقط لمن يعيشها بل أيضا لمن يُفترض أن يفهمها ويتفاعل معها. وهذا لا يمكن أن يتحقق من خلال خطاب داخلي مشحون بالعاطفة والانقسام بل من خلال خطاب متماسك وعقلاني ومهني، يضع الحقوق في سياقها السياسي والقانوني والإنساني الأشمل.

إن توجيه الإعلام الكردي نحو الخارج ليس خيارا تجميليا بل ضرورة استراتيجية. فالعالم لا يتفاعل مع القضايا عبر صراعاتها الداخلية بل عبر قدرتها على صياغة سردية واضحة ومقنعة عن ذاتها. وفي هذا السياق، يصبح الإعلام أداة قوة ناعمة لا مجرد وسيلة نقل أخبار أو إعادة إنتاج مواقف.

لذلك، تقف الصحافة الكردية في سوريا اليوم أمام لحظة مراجعة حقيقية. فإما أن تستمر في الدوران داخل دائرة الإيديولوجيا والانقسام الداخلي وتراجع المصداقية، أو أن تبدأ مسارا صعبا لكنه ضروري نحو المهنية والاستقلال النسبي وبناء خطاب قادر على مخاطبة الخارج بقدر ما يفهم الداخل.

إن هذا التحول ليس سهلا، لكنه يمثل شرطا أساسيا لأي مشروع سياسي أو وطني يسعى إلى الانتقال من موقع التفاعل السلبي إلى موقع الفعل ومن استهلاك الخطاب إلى إنتاجه ومن الداخل المنقسم إلى الخارج المؤثر.




المقال يعبر عن رأي الكاتب

45