سوريا قبل وبعد الثامن من كانون الثاني الفائت

سوريا قبل وبعد الثامن من كانون الثاني الفائت

Nov 22 2025

شهدت سوريا تطورات جذرية نقلتها من موقع إلى آخر، بل من حصار دولي شبه شامل إلى انفتاح كبير على المجتمع الدولي، ومن عزلة خانقة إلى تفاعل إيجابي مع العالم.

وسنتناول فيما يلي أبرز تلك التطورات.
أولا: قبل الثامن من كانون الثاني الفائت كانت سوريا قاعدة متقدمة لإيران وجزءا حيويا من الهلال الشيعي الذي يمتد من إيران إلى جنوب العراق ثم سوريا ولبنان، وقد شكلت سوريا الركيزة الأساسية لهذا الهلال، ولم تكتفِ إيران بالسيطرة على قرار السلطة وموارد البلاد، بل مارست نشاطها المذهبي الطائفي بأبشع صوره، في الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة إلى إبعاد الدين عن التسييس وتعزيز الحوار الحضاري بين الأديان والمذاهب.كما كانت سوريا مركزا لصناعة وتصدير حبوب الكبتاغون برعاية النظام، ما شكّل خطرا كبيرا على المنطقة والعالم.

وكانت أيضا قاعدة أساسية لوجود تنظيم داعش، ومصدرا رئيسيا لتدفق اللاجئين نحو أوروبا، حيث تجاوز عدد اللاجئين السوريين الملايين، إضافة إلى أعداد ضخمة من النازحين داخل البلاد.

وعانت سوريا من تدهور شامل في الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء، بينما كانت الرشوة والفساد سمة بارزة في المجتمع وركنا من أركان النظام الحاكم.

على الصعيد الإقليمي:
كانت سوريا تشكل خطرا على محيطها، ولا سيما على الدول العربية المجاورة.

على الصعيد الدولي:
كانت علاقات سوريا في عهد النظام الساقط شبه مقطوعة مع المجتمع الدولي، وخاصة مع الغرب الديمقراطي، أي الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية.

ثانيا: بعد الثامن من كانون الثاني تم إنهاء الوجود الإيراني ومعظم الميليشيات التابعة له، باستثناء بعض الضباط الموالين لإيران وأنصار قنديل. وبذلك تم كسر الهلال الشيعي في عموده الفقري، ولم يعد ممكنا لإيران إيجاد موطئ قدم لها في سوريا ما بعد الأسد، كما انتهت كافة أشكال التشيّع ذات البعد الطائفي، مع التأكيد على احترام المذهب الشيعي الكريم، ورفض استغلاله سياسيا.

تم أيضا إنهاء صناعة وتجارة الكبتاغون، وأصبح المتورطون فيها ملاحقين من قبل الدولة. أما تنظيم داعش، فقد بات ضعيفا جدا، ولم تعد سوريا بيئة طاردة لسكانها، بل العكس، حيث عاد آلاف السوريين إلى ديارهم، بمن فيهم رجال الأعمال الوطنيون. وبدأت عملية ترميم البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية، ورغم أن الخطوات الأولى ما زالت في بدايتها، إلا أنها تبشر بأمل واعد. ويكفي دليلا على ذلك عودة الكهرباء إلى دمشق على مدار الساعة وإلى العديد من المدن لساعات طويلة.في مجال مكافحة الفساد، يكفي أن نشير إلى القرار الرئاسي القاضي بإغلاق المكتب التجاري للشقيق الأكبر للرئيس الشرع.

على الصعيد العربي:
أصبحت علاقات سوريا متميزة مع الدول العربية الرئيسية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى تحسن العلاقات مع دول الجوار.
على الصعيد الدولي:
شهدت العلاقات مع الغرب تطورا لافتا، وخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث التقى الرئيس السوري بالرئيس الأمريكي مرتين خلال أقل من ستة أشهر. وتم رفع العقوبات الأمريكية الرئاسية عن سوريا، وتعليق العمل بقانون قيصر لمدة ستة أشهر، مع إمكانية إلغائه نهائيا.كل هذه التطورات الجوهرية حدثت خلال أقل من عام، وهي مؤشرات إيجابية تبشر بدور سوري فاعل في المنطقة والعالم. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التغيرات الإيجابية على الوضع الداخلي سياسيا وأمنيا وخدميا.

في الجانب السياسي:
باتت الحاجة ملحة إلى حوار وطني حقيقي على مسارين أساسيين:
المسار الأول: يشمل الحوار مع ممثلي جميع المكونات السورية دون استثناء، ومنهم الشعب الكردي، لضمان حقوقهم الدستورية ومشاركتهم العادلة في إدارة البلاد.

المسار الثاني: يتضمن الحوار مع القوى الوطنية والسياسية من أحزاب وتيارات مختلفة، بما يتيح التفاعل الإيجابي بين الإنجازات الخارجية والبنية الداخلية، ويؤسس لبيئة ثابتة للأمن والاستقرار والازدهار في سوريا الجديدة.بهذا يمكن أن تنطلق سوريا نحو مرحلة جديدة بعد عقود من الدكتاتورية والاستبداد، نحو الحرية والسلام والاستقرار والتنمية التي يتطلع إليها الشعب السوري .



المقال يعبر عن رأي الكاتب

509