ثورات المقاومة الشعبية والحلم الكوردي المدفون

ثورات المقاومة الشعبية والحلم الكوردي المدفون

Apr 16 2024

ثورات المقاومة الشعبية والحلم الكوردي المدفون
صلاح إبراهيم

ثورات المقاومة الشعبية ليست وليدة اليوم بل لها تاريخ يمتد لآلاف السنين، وقد حقق بعضها أهدافها، لكن الأغلبية باءت بالفشل نتيجة عوامل وظروف اختلفت طبيعتها من منطقة لأخرى، وتندرج تحت هذا العنوان الثورات الكوردية، وعلى الرغم من إنها ليست فريدة من نوعها إلا أن انتكاساتها المتتالية أعطتها طابعا مميزًا جعلتها مغايرة لباقي الثورات.

‏‎عندما ننغمس قليلاً في طيات التاريخ، نجد أن أكبر مقاومة شعبية باءت بالفشل هي التي قادها سبارتاكوس ضد جمهورية روما عام ٧٢-٧٣ ق.م، لكنها مع ذلك تركت أثراً عميقاً في تاريخ البشرية بمجمله، ويعتقد المؤرخون أن مفهوم ثورات المقاومة الشعبية بدأ مع ثورة سبارتاكوس، ولم يكن الكورد بمنأى عن هذه الثورات, فعلى مدار تاريخهم الطويل قادوا مرارًا وتكراراً ثورات ضد الأنظمة الاستبدادية التي حكمت المناطق الكوردية.
اتسم الكورد في نضالهم بالشجاعة واكتسبوا جميع الفنون القتالية، وهذا ما أثبتته كتابات المؤرخ اليوناني زينفون عن الكورد الذي أطلق عليهم كلمة كاردوخ ووصفهم بالمحاربين الأشداء في عام 400 ق.م عندما هاجموا الجيش اليوناني عند عبوره للمنطقة جنوب شرق بحيرة وان الواقعة شرقي تركي.

يمكن القول إن العوامل الكامنة وراء فشل العديد من هذه الثورات تختلف من منطقة إلى أخرى ومرتبطة بزمان ومكان حدوث هذه الثورات. فنرى أسباب فشل ثورة تشي غيفارا تختلف عن أسباب الثورة الجزائرية ضد فرنسا وكذلك الثورات السودانية ضد الإنكليز تختلف أسبابها عن ثورات في مناطق أخرى من العالم، وهذا المفهوم ينطبق أيضاً على العوامل التي ساهمت وبشكل فعال في فشل معظم الثورات وحركات التحرر الكوردية، ومن جملة هذه العوامل غياب التنسيق بين المقاومات المتميزة بطابع غير شمولي، والتي بدورها تؤدي إلى ضعف الثورة، والجدير بالذكر أنه في زمن الثورات تقوم مجموعات غير منظمة ليست لها تجارب في الحروب بفتح جبهات مع جيش مدرب ومنظم فتكون الفرص ضئيلة في تفوقها, كما أن عدم التكافؤ في الإمكانات بين الطرفين تلعب دوراً محورياً في حسم المعادلة، علاوة على ذلك، غالبا ما تلجأ الحكومات إلى السرية والتجسس لمنع الثورات وإحباط مخططات الثوار.

أما ‏‎العامل الأبرز الذي كان ولا يزال سبباً في انتكاسات الكورد المتتالية هو سموم الخيانة. لعلّ أبرز هذه المحطات سقوط إمبراطورية ميديا عام ٥٥٠ ق.م. بعد أن نجح القائد الفارسي كورش في ضمان دعم قائد الجيش الميدي هارباك له، قاد هجوماً ضارياً على إمبراطورية ميديا. كان الملك الميدي استياك يقود قواته بمفرده، حيث دافع عن العاصمة أكبتانا دفاعا مستميتاً، إلا أن قائد الجيش الميدي هارباك حسم مصير المعركة بعد انضمامه إلى صفوص الجيش العدو، وهكذا لعبت الخيانة دورها في رجحان كفة الجيش كورش، وانتهى حكم آخر ملوك إمبراطورية ميديا، وملحمة قلعة دمدم الواقعة في شمال غربي كوردستان، التي هزت الأبدان لشدة هولها وقساوتها، وأثرت على العديد من الأطروحات والروايات التاريخية، والتي تروي قصة أمير الكوردي ذو الكف الذهبي، الذي شيد هذه القلعة المنيعة وأعلن استقلالها. لم يستطع الشاه عباس الصفوي من إسقاط هذه القلعة الصامدة رغم محاصرتها لعدة أشهر إلا أن يد الغدر والخيانة ساهمتا في سقوطها عام 1609 بعد أن أفشى سائس الخيول محمود المركاني للصفويين سر وصول المياه إلى القلعة من الخارج، وتستمر هذه الزوبعة حتى يومنا هذا، فعندما كان جنوب كوردستان في عام 2017 على وشك إعلان استقلال كوردستان غدر حزب الاتحاد الوطني بالحزب الديمقراطي الكوردستاني وانحاز علناً إلى إيران والعراق ضد بني جلدته. كما أن هناك أحزاب كوردية تأسست لمناهضة وعرقلة تقدم حركة تحرر كوردستان، وما الهجمات الإيرانية المتكررة و تحريضها لهذه الأحزاب على إقليم كوردستان وأمنه إلا دليل واضح على هذا الكلام.

وهكذا نرى أن تاريخ الثورات والحركات الشعبية يشهد على أن النجاحات الحقيقية كانت نادرة وأن العديد منها تمت بالفعل بتأثير العوامل الدولية والإقليمية، ومع ذلك لا يمكن إغفال أهمية إصرار وصمود الشعوب في مواجهة القمع والظلم، حتى لو لم تؤدي جهودهم إلى نتائج ملموسة في بعض الأحيان.

‏‎الشعب الكوردي يحتاج الى فكر متجدد وسياسات حديثة تتواكب مع معطيات ومتطلبات المرحلة الراهنة وذات رؤية مستقبلية متكاملة ليتفادى نفسه من دوامة نكبات وخيبات الأمل، ونرى أن حكومة إقليم كوردستان في ظل قيادتها الحكيمة بذلت جهوداً حثيثة، وحققت مكاسب سياسية للشعب الكوردي في المنطقة رغم العقبات والتحديات التي واجهتها و وتواجهها.


المقال يعبر عن رأي الكاتب

11359