قصف قاعدة التنف: 4 اعتبارات واشتباك واحد

قصف قاعدة التنف: 4 اعتبارات واشتباك واحد

Jan 30 2024

لم يجد الرئيس الأمريكي جو بايدن مفراً من اللجوء إلى توصيفات فضفاضة لتوجيه المسؤولية عن الهجوم بطائرة مسيرة ضدّ قوات أمريكية شمال شرق الأردن على الحدود مع سوريا، فتوجه بالاتهام إلى «جماعات مسلحة متطرفة مدعومة من إيران» وتوعد «بمحاسبة كل المسؤولين في الوقت وبالطريقة التي نختارها».

غير أن هذا التطور الأخير أشد خطورة من أن يُكتفى بتوصيفه تحت لافتة عريضة ومعممة، لأنه أولاً يخرج في اعتبارات عديدة عن سياق الهجمات التي تجاوزت الـ150، باعتراف البنتاغون نفسه، ضد مواقع أمريكية في العراق وسوريا، تبدأ من قاعدة عين الأسد الجوية غربي العراق ولا تنتهي عند قاعدة كونيكو وحقول نفط الرميلان في سوريا.

ففي اعتبار أول يمكن أن يكون طارئاً على نسق استهداف مواقع الانتشار العسكري الأمريكي في العراق وسوريا، شكلت الضربة الأخيرة توسيعاً ذا دلالة نحو الأردن ومساحة التماسّ في المثلث الحدودي، الأمر الذي يكتسب بعداً بالغ الخصوصية بالنظر إلى حساسية موقع المملكة الهاشمية في تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية الراهنة ضد قطاع غزة.

اعتبار ثان يأخذ في الحسبان ضغوطات كتلة فلسطينية ديمغرافية وازنة في الأردن، واتصال المملكة الحدودي مع الضفة الغربية، وحقيقة أن معاهدة وادي عربة لا يلوح أنها أفلحت في تثبيت مستويات سلام متينة مع دولة الاحتلال، فضلاً عن أن وجود قواعد عسكرية أمريكية في الأردن يظل مصدر اعتراض شعبي غير ضئيل تاريخياً ويتعاظم أكثر هذه الأيام تحديداً بعد انخراط الولايات المتحدة في دعم دولة الاحتلال بمعدات عسكرية متقدمة وفتاكة، والتعاون مع الجيش الإسرائيلي في أعمال استطلاع واستكشاف في أجواء قطاع غزة.

اعتبار ثالث على صلة باستراتيجية الولايات المتحدة الأوسع نطاقاً بصدد قواعد اللعبة مع الأدوار الإيرانية خلف مستويات التصعيد المختلفة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، حيث لا تميل إدارة بايدن إلى الذهاب نحو أي شكل من المواجهة المباشرة مع طهران من جهة أولى، وتكتفي من جهة ثانية بردود منضبطة أو حتى خجولة ضد حروب الإنابة التي لا تجهل واشنطن أن إيران تذكي نيرانها.

اعتبار رابع مفاده أن الضربة الأخيرة على المثلث الأردني ـ السوري ـ العراقي لا تضيف حرجاً إضافياً بالغاً على خيارات البيت الأبيض في التعامل مع إيران فقط، بل تمنح خصوم الرئيس الأمريكي في الحزب الجمهوري فرصة جديدة ساخنة للتعريض به واتهامه بالضعف والتخبط خلال أطوار انتخابات رئاسية معقدة تماماً، خاصة وأن مقتل 3 جنود وجرح العشرات يجعل «القلوب مثقلة» حسب تعبير بايدن نفسه، ونظراً كذلك إلى أن طائرة مسيرة نجحت في اختراق الدفاعات الجوية الأمريكية وأصابت هدفها.

لكن الاعتبارات الأربعة لا تغيّر الكثير في جوهر اشتباك فعلي واحد بين واشنطن وطهران، قوامه الأوّل أن الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 زوّد إيران بسلّة نفوذ في المنطقة يصعب ألا تُخضعه طهران لخدمة مصالحها العليا، وقوامه الثاني أن انحياز الولايات المتحدة المطلق إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي يقدم الأرضية تلو الأخرى لملء المزيد من المكاسب في السلة الإيرانية.
رأي القدس

المقال يعبر عن رأي الكاتب

320