التوتر التركي إلى أين؟
التوتر التركي إلى أين ؟.
التوتر في داخل الدولة التركية معهودٌ عليه في السياسة التي يتبعها حزب العدالة والتنمية ومقرونٌ بأقتراب موعد انتخاباتهم ويكمن ذلك في التشبث بالمقاعد البرلمانية خوفاً من عدم الإحراز على منصب رئاسة الدولة لهذا يلجأ هذا الحزب إلى تصدير الاحتقان الداخلي إلى الخارج لتشتيت ذهنية معارضيه وللحفاظ على اسهم الأصوات.
لهذا يقوم بالتهديد عسكرياً لسوريا وإقليم كُردستان بحجة محاربة pkk جواً براً، أما برّاً لم يلقَ أذاناً صاغية مع انصدام بإشاراتٍ حمراء أمام مبتغاه في هذا الاجتياح البري العسكري لتلك المناطق.
ولمعرفة تلك الإشارات الحمراء لابد من معرفة أهمية التوازنات الاستراتيجية في ضوء التطورات الميدانية بين الدول المؤثرة في الملف السوري والشرق الأوسط برمته ومن أهم اللاعبين في الملعب السوري "أمريكا-روسيا-تركيا- إيران-إسرائيل".
ولتسهيل هذه العملية في الملعب السوري يتطلب إيضاح الأهداف المستقبلية والرؤية الاستراتيجية لتلك الدول كلٍّ على حدى، وهم كالتالي:
_أمريكا: صاحبة المشروع والرؤية الاستراتيحية الأعمق والأقوى بأعتبارها صاحبة القطب الواحد والتي لا تزال تحافظ على قطبيتها، فصراعها مع روسيا ليس صراع البقاء للأقوى إنّما لجعل روسيا دولة إقليمية ذات تأثير محدود لا أكثر ولتطبيق هذا المشروع جعلت من أوكرانيا ضحيّة على مبدأ "حتى أن تكون قوياً عليك أن تضحي"، والهدف من ذلك هو استنزاف روسيا مع تقويض الدول الأوربية تحت جناحه إلى فترة أطول، والسبب الآخر هو حث دول خارج حلف "الناتو" بالخطر الروسي حتى يستساغ دخولهم بسهولة إلى الحلف أقصد الدول المحاذية لحدود روسيا مثل "فنلندا والسويد :" وغيرهما ليرسم بذلك سوراً حول منافسه التاريخي .
_روسيا: المنافس التاريخي تعي تلك الاستراتيجية التي رسمتها أمريكا لتقويضها وللحد في مطامعها المستقبلية بأعتبار أن "بوتين" يسعى لإعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي إلى ماقبل ١٩٩١م، والتي تشكّل منها "روسيا" بإعادة الجمهوريات التي استقلت عنها في حربها الباردة أنذاك مع أمريكا وتعتبره حق مشروع لمنافسة سياسة القطب الواحد، بمعنى أخر أي، الصراع على القوة، مع إدراكها أن هدف "أمريكا" هو استنزافهم في حروب بعيدة الأمد مع الأوربيين، وهنا وجدت روسيا نفسها بين نارين، إمّا الخناق ومن ثم الأستسلام، وإمّا الخوض في حرب طويلة؛ فأتخذت الصراع والمواجة من طرف، والدبلوماسية واستعمال الأوراق من طرف آخر، حتى تمنع "فنلندا والسويد" للانضمام إلى حلف الناتو، فأوكرانيا ذهبت ضحية في مهب توازنات القوة، أمّا بخصوص "السويد وفنلندا" اشترطت مع تركيا على أن يدخلا إلى "الناتو" مقابل إطلاق يد تركيا في الشمال السوري لتطبيق مشروعها في محاربة PKK.
_تركيا: هنا -مربط الفرس- منذ بداية الحرب "الأوكرانية" اتخذت موقفاً رماديّاً تارةً اغلقت المضيقين "البوسفور- والدردينيل" في وجه السفن الروسية وتارةً استمرت في علاقاتها التجارية مع "روسيا" وأيضاً جعلت دولتها أرضاً للمصالحة بين الوفدين "الروسي والأوكراني". كل تلك الرمادية في سبيل إطلاق يدها في الشمال السوري.
وأخيراً قامت باستغلال تلك الأوراق حتى تستبيح الأراضي السورية المحاذية لحدودها الجنوبية فقد اختارت الوقت المناسب باعتبار أن "روسيا وأمريكا" على خلافٍ شديد في "أوكرانيا" وبالتالي سيكونان غير مستعدين لفتح الصراع معها، وكذا إيران التي تصارع الانتفاضة العارمة في بلدها إذاً الوقت والظروف موأتيين لتطبيق مشروعها بالإجتياح والقضاء على pkk، الإرهابي على حد زعمه، وإذ تتفاجىء بالفيتو "الروسي والأمريكي" معاً. روسيا تشترط عليها عدم دخول "فنلندا-السويد" إلى حلف "الناتو" بالإضافة إلى عدم السماع بمرور البترول والحبوب عبر أراضيها إلى أوربا.
أمريكا تشترط عكس مطالب روسيا، اللتان جعلتا من تركيا كالثور الهائج.
_إيران: أدركت أمريكا أن إيران ستستغل هذه الفرصة لخدمتها لتقضي على الانتفاضة الشعبية وفرصة بنقل حربها من الداخل إلى الخارج ضد أمريكا، وبالتالي إبعاد أنظار العالم عن ما يجري في الداخل الإيراني، والضربات للقاعدة الأمريكية في "الشدادي السورية" خير دليلٍ على ما اسلفت، وهذا سبب آخر لاستعمال الكرت الأحمر في وجه تركيا لمنع الاجتياح، وفي السياق ذاته قام الحرس الثوري بنشر منظومة صواريخ "بارو 373" في الأراضي السورية بهدف زعزعة المنطقة وضرب إسرائيل.
_إسرائيل: الظاهر المخفي في رسم سياسة منطقة الشرق الأوسط أستخلصت أن أي اجتياح عسكري تركي سوف يخلق أزمة غير مدركة العواقب، وبالتالي زعزعة المنطقة احتراثاً من وجود منظومة صواريخ "باور 373 " الايرانية، بالإضافة إلى الاتفاقية الخبيثة بين روسيا والنظام السوري بإعادة منطقة الشمال السوري إلى حضن النظام كبديل لعدم اجتياح التركي والذي سيؤدي بدوره إلى تعظيم شأن النظام السوري، ناهيك عن تنمية خلايا داعش من جديد.
وأخيراً وليس آخراً شكّلت كل تلك الأوراق ضاغطاً لكبح أي عملية تركية جديدة التي تهدف الى خلق منطقة آمنة على حدودها الجنوبية.
المقال يعبر عن رأي الكاتب
511
