دفاعاً عن منقّبات أعزاز

دفاعاً عن منقّبات أعزاز

Sep 13 2022

دفاعاً عن منقّبات أعزاز
عمر قدور - المدن

مثل أي ترند على وسائل التواصل الاجتماعي، انتهى سريعاً الاهتمام "المحدود أصلاً" الذي أثارته صورة منقّبات "جامعة الشام"-مدينة أعزاز في حفل تخرجهن، حيث ارتدين النقاب مع زيّ التخرج المعروف عالمياً. كأن لسان حال المتابعين هو اليأس من الأوضاع في تلك المناطق التي تسيطر عليها فصائل "معارضة"، وربما يكون لسان حال اليأس أن هذا الوضع أفضل من تدابير أقسى، كأن تمنع سلطات الأمر الواقع هناك تعليم البنات اقتداءً بحركة طالبان.

ثمة حذر، مفهوم ضمن الحساسيات السورية، لدى ناشطات وناشطين من بيئات غير سُنيّة، من باب مراعاة خصوصية التدين السني، وفق الصورة السائدة عنه كتدين معادٍ للاختلاط بين الجنسين، ومحجِّب للنساء بالضرورة؛ هكذا كان وهكذا قد يبقى! بهذا المعنى أيضاً، لا بأس في انتزاع مكاسب محدودة من ذلك المجتمع السني الذكوري بامتياز، مكاسب من نوع الحق في التعليم والحق في العمل للنساء، على أمل أن تُحدث هذه المكاسب تراكماً طويل الأمد لحقوق أولئك السُنيّات البائسات.

يسند التوجه السابق ما يُشاع منذ عقود عن موجة أسلمة سنية طاغية، لتبدو كقدر محتوم لا فكاك منه. ثم لتأتي الثورة التي أُلبست في بعض العقول اللباس النمطي للغالبية السنية، وصار التعرض للنمط محفوفاً بمخاطر النيل من الثورة ذاتها. بل صار النمط حاكماً للنقد، من باب خشية تأويله مضاداً للثورة، أو من خشية استخدامه من قبل المتربصين بها.

هذا المقال، بلا مواربة، دفاع عن حرية النساء اللواتي ظهرن منقّبات. هو، بلا أدنى مواربة، دفاع عن حقهن الكامل غير المنقوص في التصرف بأجسادهن، سفوراً وتحجباً. ودفاع عن حقهن الكامل غير المنقوص كفاعلات جنسيات، لهن مطلق الحرية في اختيار شركائهن، وبالطريقة التي يخترنها بلا إكراه من أية سلطة كانت، سياسية أم اجتماعية أم دينية.

مع هذا الدفاع، ندرك أن الواقع بعيد جداً عنه، وأن تساند سلطات الأمر الواقع يضع التضييق على النساء في أعلى أولوياتها. ندرك أن المرأة السورية مرشّحة للتقدم أكثر من عقود مضت، بحكم المقتلة السورية التي ستتطلب منها مهاماً وأدواراً تفوق دورها السابق، وتقدّمها سيولّد الخشية لدى المنظومة الذكورية المتحكمة، المنظومة الخائفة من تقدّم المرأة في الفضاء العام، والتي راحت تحيطها بأسوار وأسوار "منها النقاب" بسبب ذلك الخوف.

يُستحسن أن نقولها صراحة، ما يُحرك سلطات القمع تلك هو الخوف من أجساد النساء، والدفاع عن حرية تصرفهن بأجسادهن يذهب فوراً إلى عين المشكلة، بلا تأتأة ولا حياء مرغوب فيه من قبل تلك السلطات. هو، كما نعلم، خوف الذكورة المدججة بكافة الأسلحة من تلك الأنوثة التي كلما بالغ الذكور في قمعها وكبتها كلما استولت على أذهانهم وتفكيرهم وأثارت مخاوفهم أكثر من ذي قبل.

هؤلاء الذين يقمعون النساء ليسوا ثواراً، لندع هذه الكذبة جانباً لئلا يستمر التستر باسم الثورة. رئيس المجلس الإسلامي السوري المعارض، الشيخ أسامة الرفاعي، خصص قبل سنة خطبة الجمعة في أعزاز نفسها التي زارها للهجوم على المنظمات الدولية العاملة في تلك المناطق، مستهدفاً على نحو خاص النساء اللواتي يعملن هناك بذريعة أنهن يدعون إلى حرية المرأة وتمكينها وإلى الوعي بقضايا الجندرة. في خطبته تلك، لم يتوقف الشيخ عند قضايا يُفترض أن يكون لها الأولوية لدى أي ثائر أو أي معارض غير خائف من أجساد النساء أو مهجوس بالسيطرة عليهن.

لقد تم تحويل النساء في المناطق المعنية طوال سنوات إلى مادة للمزايدة في التدين، فمظهرهن هو من أكثر المظاهر وضوحاً، ونقابهن أو حجابهن المفروضان بالقوة الخشنة والناعمة أكثر دلالة من ألبسة الذكور الخالية من الدلالة تقريباً. استرخاص أجساد النساء وحرياتهن على هذا النحو هو سلوك ميليشوي مستجد، ولا علاقة له بالتدين الشعبي السني القديم وأنماطه القامعة للمرأة على نحو "أكثر اعتدالاً".

عندما نطالب بحرية تصرف تلك النسوة بأجسادهن فنحن لا نبتعد عن الواقع الذي يعرفه الجميع، الواقع الذي في السرّ، والذي يعيش فيه الجنسان غرائزهما بدرجات متفاوتة، بشعور بالإثم أو من دونه. ونعلم أن همّ التضييق على أجساد النساء هو المزيد من الدفع في اتجاه حدوث ما يحدث، وما سيبقى يحدث، إنما في السر، لأن الوصول إلى العفة التامة المطلوبة ضرب من الخيال أو الجنون. بالأحرى، نحن نطالب بما هو أكثر واقعية لا بالمستحيل.

وإذا اعتبرنا المطالبة نوعاً من المستحيل، فهي تبقى مشروعة ومحقّة لأن المطالبة بالمستحيل هي السبيل إلى الحصول على الممكن، أما المطالبة بالممكن فهي السبيل النموذجي لتحويل الممكن إلى مستحيل أو عزيز المنال. أما ذلك اليأس من المطالبة، بسبب وقوع النساء تحت سلطة متطرفة، فهو يأس يضحّي بالنساء الأكثر عرضة للاضطهاد بدعوى عدم القدرة على فعل شيء لهن، لينصرف الجهد إلى نساء أقل حاجة للتضامن والدعم!

لا نريد أن نفعل مثل "حراس العفة"، فنزاحمهم على باب الغيرة المزعومة على الإسلام، ونقول أننا نربأ بأهله عن ترك الانشغالات الأهم والتفرغ لحراسة أجساد النساء وكأنها الفريضة الإسلامية الوحيدة. كأن هؤلاء الحراس أنفسهم "سدنة سلطة الأمر الواقع" لا يحتطبون الغابات العامة لبيعها وقوداً للتدفئة، ولا يفككون السكك المهجورة للقطارات لبيع حديدها، وكأنهم لا يفرضون الأتاوات هنا أو هناك، ولا يغتصبون أملاك الغائبين المهجرين. كأن ذلك كله لا يسيء إلى الدين بقدر ما يسيء إليه جسد حر لامرأة.

قبل ذلك وبعده، نرفض أن يُستخدم الدين فزّاعة لمنع النقد والحوار، ولمنع الحرية، ونعني بها الحرية الفردية الشخصية للجميع إناثاً وذكوراً، لا حرية الذكور بالتصرف بنساء العائلة وبالتصرف والتحدث نيابة عنهن. بهذا المعنى أيضاً، ندافع هنا عن منقّبات أعزاز، عن حق أولئك النساء في خلع الحجاب أو ارتدائه، ضمن ظروف حرة حقاً، أو خالية على الأقل من أي ضغط مباشر عائلي أو اجتماعي أو من سلطات الأمر الواقع، وواجب الأخيرة لتكون سلطة مشروعة هو حماية تلك الحرية من ضمن حريات الجميع.

وكي لا يسبقنا أحد إلى قولها؛ نعلم أننا نتحدث عن بعد جغرافي، وهذا لا يجب أن يُقال على سبيل الانتقاص، لأنه يتضمن حرية القول التي لا يمتلكها نساء ورجال هناك بسبب الثمن الباهظ المهدَّدون به. من المؤسف أن تكون القسمة هكذا، القسمة التي لا نريد لها أن تكون على حساب نساء أعزاز أو غيرها من مناطق ذات ظروف مشابهة أو أشد قسوة، فما هو ظرفي وطارئ ينبغي ألا يحجب ما هو حق مستدام لهن أسوة بباقي النساء أينما كنّ.


المقال يعبر عن رأي الكاتب

118