المجلس الوطني الكردي بين وفرة التطلعات وشحّة المنجزات

المجلس الوطني الكردي بين وفرة التطلعات وشحّة المنجزات

Jul 21 2022

المجلس الوطني الكردي بين وفرة التطلعات وشحّة المنجزات
علي مسلم

في سياق بناء المؤسسات وتفعيلها، ثمّة علاقة جدلية بين المضمون النظري للمشروع السياسي، وبين الدور المستقبلي المرتقب لهذه المؤسسات، بغضّ النظر عن ماهية هذه المؤسسات، سواءً أكانت تنموية، أو مدنية، أو سياسية، أو غير ذلك، وهذا يتضمّن بطبيعة الحال الخطط، والبرامج، وآليات العمل، وامتلاك الحاضنة الشعبية والحلفاء، والتمييز بين جبهة الأصدقاء، وجبهة الأعداء. ومن المحال أن تتحقق المنجزات دون الأخذ بذلك، ولاسيما في مرحلة ثورة المعلومات وسيادة الإعلام وتفوّقه على المجالات الأخرى.

ولو أجرينا مقاربة متأنيّة بين التّطلُّعات الارتجالية الطموحة للمجلس الوطني الكردي، الذي انبثق من رحم الحراك الثوري، وتزامن مع النهوض الجماهيري العارم في سياق ثورة كلّ السوريين عام 2011، وبين ما هو عليه الآن، سنجد أن هناك بوناً شاسعاً، فبقدر صعود أسهم التّطلّعات النظرية، هناك هبوط مقلق في أسهم المنجزات، أو انعدامها كلياً، وهذا يعود إلى جملة من الأسباب، منها لوجستية خارجة عن طاقة المجلس من قبيل التدخُّل الدولي والإقليمي في الشأن السوري، وما نتج عن ذلك من تعقيدات، ومنها ذاتية تتعلق بإخفاقه في توفير الأرضية المناسبة للسير نحو تحقيق المنجزات الممكنة، إلى جانب فقدان بوصلة التفاهم مع شركاء الوطن، بالرغم من انحيازه الصوري للمعارضة السورية، والانضمام إلى ائتلاف المعارضة عام 2012، لهذا كان من الضروري الوقوف عند هذه الأمور ملياً، ولاسيما أنه مقبل على عقد مؤتمره الرابع، وهذا يقتضي بالضرورة إجراء مراجعة نقدية شاملة، عبر حوكمة عاقلة لتبيان نقاط الضعف، والوقوف على أسباب الترهل والتلكؤ، مع الأخذ بعين بالاعتبار الممكنات الوطنية على مستوى الوطن السوري من جهة، والممكنات القومية الكردية من جهة أخرى، وإجراء تقاطع سياسي بينهما، والابتعاد عن الهفوات السياسية التي كبحت تطلّعاته على مدى عقد كامل، وفي هذا المجال لابدّ من الإشارة إلى أن ما جرى من حوارات بينية من أجل المشاركة في الإدارة الذاتية القائمة، دون توفير المقدّمات كان خطأً سياسياً، ويجب الإقرار بذلك، والبحث عن خيارات أخرى، فأيُّ تقاربٍ حقيقيٍّ مع هذه الإدارة دون الوقوف على الممارسات المشينة لهذه الإدارة، سيرافقه تباعد عن جبهة الشركاء، كون هذه الإدارة ما زالت ترضع من أثداء النظام ذاته الذي انتفض السوريون في وجهه، وقدّموا على مذبحه مئات الآلاف من الضحايا، يضاف إلى ذلك ضبابية موقفه من النظام السوري وحلفائه المحليين والاقليميين، وهذا يشير بطبيعة الحال إلى التشكيك في صحة وتأرجح المنطلقات السياسية لديه، باعتباره جهةً داعيةً إلى إسقاط النظام، يضاف إلى ذلك أن المجلس حاول واهماً الاستفادة من التّناقضات الإقليمية والدولية، وغرّد بعيداً عن باقي السوريين لفترة دون تقديم المبررات، وطمأنة الشركاء، عبر الرهان الواهم بأنه ربما يكون هناك ما يشبه اللفتة الدولية للشأن الكردي في سوريا، على غرار ما حصل في إقليم كوردستان عام 1991، وهذا لا يدحض بطبيعة الحال صحة ما خرج به مؤتمرات المجلس من قرارات سواءً من جانب المطالبة بالإقرار الدستوري للحق الكردي في سوريا، أو اللامركزية السياسية كصيغة للدولة الاتحادية.

ثلاثُ معضلات لا بدَّ من تجاوزها:
1- معضلة الفشل الدبلوماسي:
لم ينجحِ المجلسُ الوطنيُّ الكرديُّ في استغلال الفرص الدبلوماسية العديدة التي أتيحت له، بُعيد إعلان المجلس، لقد انطلقت المساعي الغربية ولاسيما الامريكية منها عبر الانفتاح على المجلس الوطني الكردي بناءً على اعتبارات تاريخية أساسها أن المجلس الوطني الكردي ربما يكون الممثل الشرعي الوحيد لكرد سوريا، لكن المجلس أخفق في اقتناص هذه الفرص، وإذا كان سبب ذلك يعود في بعض جزئياته إلى قلة الخبرة، فإن أسلوب تعاطي المجلس مع هذا الحدث كان دون المستوى المطلوب، فمن جهة ساد المزاج الفردي بشأن التعاطي مع المجتمع الدولي بدل عقلية الفريق المتكامل، وانسحب ذلك على أغلب اللقاءات التي تمّت، ومن جهة أخرى حاول ممثلو المجلس رفع سقف المطالب السياسية دون الأخذ بعين الاعتبار الظروف الموضوعية المحيطة بالوضع السوري، إلى جانب عدم امتلاك المجلس لأيّ مشروعٍ سياسيٍّ خاص به، متناسياً أن المجتمع الدولي والأمريكي على وجه الخصوص، لا يتوفر لديهم الرغبة في التعاطي مع الشأن الكردي بمعزل عن الشأن السوري العام.

2-معضلة العمى الجغرافي:
لم يستطع المجلس الوطني الكردي الخروج من النظرة الكلاسيكية غير المتكاملة للجغرافيا الكردية في سوريا، بل بقي أسير ما طُرح في الخمسينيات من القرن الماضي إبان الإعلان عن أول تنظيم سياسي كردي، على اعتبار أن الأشخاص الذين مهّدوا لولادة هذا التنظيم وضعوا في اعتباراتهم المرحلية المناطق التي ينتمون إليها، والتي انحصرت في محافظة الجزيرة (الحسكة) وكل من كوباني وعفرين، وبقيت هذه الأسطوانة تدور، وتدور حتى وقتنا هذه، على الرغم من أن الوقائع التاريخية، والحركات الاجتماعية في مجمل الأحقاب تشير إلى أن الكردّ يقيمون على طول الحدود الشمالية لسوريا بدءاً من عفرين غرباً ومروراً بمناطق أعزاز والباب وجرابلس وكوباني في الوسط، وانتهاءً بالمناطق الكردية في الجزيرة حتى الحدود العراقية شرقاً، وفق جدلية الكلّ المتكامل، لهذا جاء الطرح السياسي للمجلس مبتوراً، وتم بناءً على ذلك تغافُل مناطق أساسية من مناطق التواجد الكردي عمداً، فالكرد في هذه المناطق لا يقلون شأناً عن كرد باقي المناطق، بل يمكن القول إنهم حققوا مكاسب ربما عجز كرد باقي المناطق في تحقيقها.

3-معضلة البحث عن حلفاء:
لم يستطع المجلس الوطني الكردي كسب حلفاء حقيقيين لا على المستوى المحلي السوري، ولا على المستوى الإقليمي والدولي، بل حاولوا الاكتفاء بالجانب الإنساني الذي خصّه الغرب لكرد سوريا، من منطلق أنهم يتعرّضون لمظلومية، وقد تزول المظلومية بزوال الظالم، كان من الأجدى أن يلتفت المجلس إلى الشارع السوري، للبحث عن حلفاء خارج نطاق بعض النخب المتناثرة هنا وهناك، ومن ثم طلب المناصرة من الدول المحيطة بسوريا كدول الخليج على سبيل المثال، وربما كان وجوده في ائتلاف قوى المعارضة فرصة، لكن هذه الفرصة بدورها قد تناثرت بفعل التعنُّت والتكابُر.


المقال يعبر عن رأي الكاتب

184