أوقفوا نشر أخبار القتل والانتحار!

أوقفوا نشر أخبار القتل والانتحار!

Jun 23 2022

أوقفوا نشر أخبار القتل والانتحار!
شيخو عفريني

تلقيت اتصالاً من صديق قديم لي، انتهى به المطاف، حاله حال ملايين السوريين في بلاد المهجر واللجوء، يتسائل عن الأسباب الحقيقية لانتشار ظاهرة القتل في إقليم كوردستان بكثرة، علماً إنه يسكن في لبنان! نعم لبنان الذي يأنّ من وطأة الاقتتال الداخلي، والحرب الأهلية، وانتشار الميليشيات داخل الدولة، وكثرة الظواهر المسلحة في الجنوب، والوسط والمناطق الأخرى. ويومياً تشهد المدن اللبنانية خلافات اجتماعية ومشاكل جمة بين أفراد المجتمع، ولكن إعلامياً الأمر مغاير.

أجبته في العموميات؛ بأن المشاكل تحدث حتى في سويسرا، ولكن في الشرق الأوسط تجد أن الظاهرة منتشرة بشكل أو بآخر، بنُسب متفاوتة من دولة لأخرى، بسبب الضوابط، والعقائد، والبيئة الاجتماعية، والعقلية، وأسبابٍ أخرى.

لكن ما ألاحظه، أن القنوات الفضائية، والصفحات الإعلامية المؤثرة، في إقليم كوردستان، تتبع استراتيجيةً في نشر أخبار القتل، والخلافات الاجتماعية كأخبار عاجلة! "مقتل خمسة أشقاء في قضاء خبات، مقتل اثنين في السليمانية، أب يقتل ولديه في الحي الفلاني، سيدة تُقدم على قتل ابنتها وتنتحر"!

الأطباء النفسيون والخبراء في علم الاجتماع يقولون: "إن مشاهدة فيديوهات الجرائم العنيفة، ومتابعة الأخبار المؤلمة، قد تولد رغبة للعنف، وتداول أخبار الجرائم والفيديوهات وانتشارها يُصيب الكثير من الأشخاص بنوبات الهلع، والدخول في حالة اكتئاب، ومن يُعاني من حالة نفسية سيئة، يزداد الأمر سوءا لديه بعد مشاهدته تلك المشاهدة العنيفة، ربما يؤدي إلى نتيجة لا يحمد عقباها".

ماذا عن أوروبا وأمريكا؟ نقل موقع شفق مقالاً (لم يتم ذكر اسم الكاتب): "عرض الجرائم ووقائعها كلا أو جزءا هو أمر ممنوع في أمريكا وأوربا، وتخضع عمليات الإفراج عن الأشرطة لإجراءات قانونية صعبة، وليس من المسموح لوسائل الإعلام عرض كل محتوى صوري وفق رغباتها، وإنما الأمر خاضع لإجراءات وشروط غاية في الصعوبة؛ لأن عرض الجريمة على عامة الناس يحمل جوانب سلبية كثيرة، ربما لا تتوقف عند حد تعلم الناس للجريمة أو الإيحاء النفسي لهم بذلك، أو جرح المشاعر واستثارتها وإصابة الفرد والمجتمع على السواء بالأمراض النفسية".

أ ليس حريّا أن نقرأ ونشاهد بدلَ أخبار القتل المحرضة والمشجعة العاجلة، التي تفيد بمقتل الشاب الفلاني هنا، والسيدة الفلانية هناك، أن يتم استبدالها بأخبارٍ هي: إنزال أشد العقوبات على الجناة والقتلة في الحادثة الفلانية، جانٍ يُعاقب بالسجن المؤبد، قاتلٌ يُسجن بالأعمال الشاقة، مُشرّع في القتل يُجرّد من الحقوق المدنية والمواطنة.

مع الأسف، الأمر لا يقتصر على الإعلام الكوردي، فكلنا سمع وقرأ وتعاطف مع حادثة مقتل طالبة على يد طالب آخر؛ بسبب رفضها له بالزواج في مصر، ولكن كيف أثر ذلك على المجتمع المصري؟

يقول موقع المصري لايت: "مُنذ يومين، تحديداً صباح يوم الاثنين الماضي، استيقظ الشعب المصري على خبر حزين ومؤلم، وهو إقدام طالب في كلية الآداب جامعة المنصورة، على ذبح زميلته في الشارع أمام المارة، وتداول رواد مواقع التواصل الإجتماعي مقاطع فيديو أثناء ارتكاب الجريمة، وصور للفتاة وهي غارقة بدمائها".

يضيف: "بعدها بساعات قليلة انتشرت أخبار عن انتحار شاب من أعلى برج القاهرة، وشاب آخر بعدما قفز بسيارته من أعلى كوبري جامعة المنصورة". اليوم تكررت الجريمة ذاتها في الأردن، فقد قتلت طالبة جامعية على يد زميلها غراراً على جريمة جامعة المنصورة المصرية، وقبل إقدامه على الفعل الشنيع هددها بدم بارد: "مصيرك سيكون كمصير الطالبة المصرية".

الإعلامُ رسالة، السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان، ترى ماهي الرسالة التي توجهها القناة أو الصفحة أو الموقع للمتلقي، في نشر أخبار لافائدة منها سوى تعزيز مبدأ القتل، والدم، والتحريض، والتشجيع على الإقدام بالقتل والانتحار، لاسيما على الأناس الذين يعانون من اضطرابات نفسية، ويميلون بأفكارهم إلى القتل والانتحار؟

ترى ماذا استفادت العامة، من نشر خبر مقتل خمسة أخوة في قضاء خبات، ووالد يقتل ابنه، وانتحار شابة هنا، وهناك، بصيغة خبر عاجل وبالخط العريض؟ يومياً نقرأ في الموقع الفلاني والصفحة الفلانية أخبار الجرائم تبث كعواجل!.

هل تتبع القنوات الإعلامية العالمية تلك الاستراتيجية في نشر أخبار المشاكل الاجتماعية، بضيغة أخبار عاجلة! بهدف لفت الأنظار، وتركها هكذا دون التطرق إلى الأسباب والنتائج الكارثية للظاهرة الخطيرة، وطرح الحلول لتفادي تكرار الجريمة. أم إن الخبرَ سبقٌ صحفي، وسِباق لكسب أكبر عدد ممكن من الإعجابات، وبالتالي الحصول على تفاعل جدي وكبير مع الصفحة أو الموقع؟

قبل يومين، اجتمع رئيس حكومة كوردستان السيد مسرور بارزاني، مع مدراء وممثلي القنوات الفضائية، والمواقع والصفحات الإعلامية، الاجتماع استغرق أكثر من ثلاث ساعات وثلاثين دقيقة. تحدث بدايةً، المدراء والإعلاميون المشاركون، عن المشاكل التي يواجهونها، وكلٌ اقترح على سيادته عدداً من النقاط، ولكن للأسف لم يتطرق أحد إلى هذه الظاهرة الخطيرة، وهي نشر أخبار الانتحار والاقتتال والمشاكل والخلافات الاجتماعية كأخبار عاجلة، وتركها دون إيجاد حلول أو تبيان النتائج الكارثية لنشر مثل تلك الأخبار.

آخر مداخلة كانت لإعلامية من قناة كوردسات، تطرقت إلى التطرف وممارسة العنف ضد المرأة، وطالبت بوضع حد لتلك الظاهرة، بدوره أجاب السيد مسرور بارزاني رئيس الوزراء عليها: أن التطرف والعنف لم يقتصر على المرأة فقط، وكحكومة كوردستان لم يذخروا جهداً لإنهاء تلك الممارسات، وإيجاد حل جذري للظاهرة.

أخيراً لابد من إيجاد حلول لتلك الظاهرة الخطيرة، وإظهار دور الإعلام، والشخصيات الاجتماعية، والدينية، والفاعلة، والمؤثرة، والمنظمات الإنسانية والخيرية، لحض الناس على تجنب الحالات الكارثية، لإغناء المجتمع بعيداً عن التطرف والاقتتال والكراهية والعنف، مجتمع ٌ يسوده التسامح والألفة والمحبة والعفو.

المقال يعبر عن رأي الكاتب

16376