بكاء عوليس السوري على طروادتـ(ه) السورية

بكاء عوليس السوري على طروادتـ(ه) السورية

Jan 10 2021

مكثّفاً من وطأة الزمن ورعب المتحصّل فيه على المنكوب، مهاجراً قسرياً من بلده، أو هارباً بجلده، أو مكابدا الوجع السوري تحديداً، وهو يرى وطناً فقد سمة الوطن واقعاً، يتحدث المؤرخ الفرنسي فرانسوا هارتوغ، في كتابه المسطور بلغة هندسية على صعيد الدقة “تدابير التاريخانية” ترجمة د.

بدر الدين عرودكي، 2010، عن أوليس، عوليس في الكتاب، المعروف باسمه ومقامه، البطل المنتصِر في طروداة، لكنه المهزوم بأكثر من معنى طبعاً، المنفي بأكثر من معنى طبعاً، المتعرض لأهوال الموت بمعان شتى طبعاً، بالمقابل، وفي نفسه حب زوجته بنيلوب ذات الصيت، وهي تقاوم ثقْل سريان فعل الزمن في جسدها، توقاً إلى عوليس، الذي يغذيه حنين لا يوصف إلى “إيثاك”: مدينته.

يركّز هارتوغ، المؤرخ الحصيف، على عوليس الذي يفقد صفته التي يُعرَف بها، بطلاً صنديداً، تأكيداً على أن عوادي الزمان قد تغيّر فيه خاصيته، أو خاصية أي كان على مستوى جسده كلياً، أن يصبح في مقام امرأة عجزاً:
“كامرأة تبكي زوجها، وهي تعانقه
زوجها الذي سقط أمام مدينته وشعبه
بينما يدافع عن مدينته وأبنائها من اليوم الحتمي”. ص 96.

لنقرأ عنه وفي أمره بعد صفحات “كما لو أن عوليس كان في حِداد على هذا الجزء من نفسه الباقي في طروادة والذي عهد به من الآن فصاعداً إلى الشعراء المنشدين”، ص 110، وقبلها بسطور، وعلى لسانه كان صوته المنجرح والصارخ “أرغب في كل لحظة/ أن أوجد في بيتي وأعيش ساعة العودة”.
ما المتبقي من نفسه، ومن جسده، إلا التعبير الحي عن مقاومة، رفضاً للفناء الكلي، لزوال كلي للمدينة النموذج، حيث العودة إليها تشبّث بالحياة.

أن يصبح الشعر نموذجاً لقراءة الزمان المجرد، أن يحوّل الزمان هذا إلى عجينة معالجة لصالح خميرة الشعر، وبمثل هذه المغامرة التأريخية المحتسبة، فهذا، من ناحية المأثرة التاريخية، مقاضاة ما لأفلاطون، أو رد على موقفه من هلوسات شعراء مدينته، ومواجهة له، بأن للشعراء شأنهم الذي لا يمكن تجاهله في المدينة: عامرة أو وهي تتعرض للخراب، وليس الفيلسوف وحده كمخول ليقرر كل شيء إزاءها، كما قرأناه في “كتاب الجمهورية”.

هذا يدفع بالتاريخ نفسه، وهو في توسّع مفهومه، إلى تخصيص فسحة من فضاء المروي فيه، وشهود عيانه، لسماع انجراحات شعراء المدينة، “أي مدينة، تمثّل وطناً، وتعيش الخراب والدمار والموت والرعب” لتكون العبارة الشعرية لحظة مكاشفتها من الداخل، مرآة تلسكوبية لرؤية ما وراء الجرح، ما وراء الصراخ، بالتوازي مع الرعب الجغرافي- التاريخي الذي تتعرض له المدينة الوطن .

في السياق العوليسي، وإن سايرنا المؤرخ الكبير هارتوغ، ربما من السهل تزكية الشاعر لأن يؤدي دوره التأريخي للحظات الموت، القتل، الخوف المتربص، الصور الدالة على انهيارات البلد، ومصائب الأهل والأحبة، والحنين الجارف إلى مسقط الرأس، وقد تداعت الأمكنة إلى لا أمكنة، والأشباح تتكفل برواية ما يجري. من اليسير اعتبار الشاعر في نموذجه السوري، شاهد مأساة، ولغته رواية متعددة الطبقات الصوتية، حيث تتحول معابر الوطن، الوجوه المتلفة الملامح، الأجساد المتناثرة تحت عسف مشاهد قصف موكولة صنعاً إلى جهات شتى: نظامية وغيرها، وتصبح الجهات مسارح مفتوحة لتلقي أصداء هذه الأصوات التي تناثرت فيها، تبكي “طروادة” السورية ومنذ سنوات عشر .

كل جهة تسنِد أخرى، كل جهة سورية وبلغات شتى، تعيش مأساتها في مقابلها، الجهات توائم مأساة فظيعة تاريخياً، والشاعر المبعَد، أو المغترب، أو المطارَد من قيّم خراب وموت، ليس له إلا أن عوليس زمانه، في بكاء قهري.

الشاعر إبراهيم اليوسف، حاله في الكثير من نصوصه الشعرية، يبكي ولا يبكي، لحظة توخي الدقة، ولكنه يكاشف جرحاً كبيراً في مساحة البلد، وإن كانت مدينته، قامشلو(ه)، هي التي مثَلت بين ناظريه من الداخل، وفي أمينة الزمن “ساعة قامشلو”: “شدِّي الرِّحال في دمي/ ما استطعتِ!/ وما استطعتُ!/ استطعنا…/ وكأننا منقطعان منذ سحابة سوداء/ كفى جفلةً باهتةً!/ كفى صفرةً عرجاء/ وانتكاسة…/ هلا ترجل أي منا عن ظهر السهو؟/ لا تقولي عني تأخر!/ لا تقولي عني استبكر اللعاب الفذَّ/ أو استبق الخطى في الأوبة./ كان عليّ أن أغدو كما صورتي هذه/ خلف جفونك المنسدلة كخريطة!/ خاصرتك باحت بما لم تخفه من خاتم أخير/ والحساسين كانت تتلاشى هبابا في الأفق/ لا تشفع لها أعشاشٌ ولا فراخ منتظرة./ كتابك فتحته/ على صفحة نيسان/ أعرف أين أصبت…/ وأعرف أين أخطأت…”

ليس في مقدور الكلمات هنا أن تحدد القتلة، وساعة القتل هنا وهناك، ومن هم الضحايا وبالاسم، وإلا لفقد الشعر خاصيته في التعبير. ما عليها إلا أن تعيد صوغ المأساة على طريقتها، والمتلقي هو من يمضي بالمسموع إلى حيث تكون جهته الجغرافية هو بالذات، وقد استحالت قاعاً صفصفاً، فيتقمص هو عينه عوليس بكاء وسرديات قهر.

ربما ذلك حال كل شاعر، وما أكثر الشعراء الذين “يتعولسون” من عوليس، إن جاز التركيب، أو النحت عربياً، كما لو أن لهم لساناً واحداً، مع فارق التعبير في البناء الجمالي، وميكانيزم المتخيل الشعري، كما هو حال أسامة إسبر، ومن داخل مجموعته الشعرية ذات الدلالة “على طرقي البحرية”: “القمرُ فوقكَ يُضيءُ نفسهُ/ وعلى مذبحكَ/ تقدّمُ الأمواجِ أضحياتها لإلهٍ من رمل/ أنظرُ إلى ضوء الشمس المائلة للغروب/ وهو يسرق تقاطيع الأشياء/ وأقول:/ هل أسمع صوتَ بحركَ يتموّج/ أم اضطراب أعماقي؟/ أراك منفصلاً عني/ معلقاً كلوحةٍ في فضاء/ أحاول أن أقرأه بلغةٍ/ ابنةِ اللحظة/ فيغلبني الصمت”.

لا شيء يستحق النظر، إبداءً لإعجاب ما، فثمة التغريبة المدمرة، إنما ما يكونه الحداد من قيمومة على الروح وهي تنتكس. ودون هذه الانتكاسة، ليس في مقدور الكلمة أن تشق طريقها إلى واعية مؤرخ، في الوضع الاستثنائي لزمن، بات الشعر نفسه، على وقْع المأساة التي تسربِل بأوجاعها ونزيفها الخرائطي على كامل البلد في حالة طروادة، وليس سوى ذاكرة المكان التي تتلبسها هيئات، بقادرة على الاستجابة لهذا الحدث المستفحل برعبه، وبلسان شعري.

أليس الشاعر عمر سليمان من هذا القبيل، حيث تكون قريته أكثر من كونها مكاناً معمراً بحدود مسماة، وقد تلاشت، جسداً متناثراً بما فيها وعليها في المكان اللامكان: “هذه قريتي/ إنما أين الحجارة المغسولة بالدخان؟/ وأين رائحة البارود القريبة؟/ أين أخي وقد كنا واقفين على الشرفة بانتظار الذبح؟/ أين أصابع الأطفال الممزقة؟”.
توصيف من نوع ميكروسكوبي، أو أكبر بكثير، حيث يختلف الشعراء في زوايا نظرتهم، ومقامات أوجاعهم، وميولهم، إنما هم أنفسهم في الخانة التخيلية عينها. كحال الشاعر رائد وحش، في مشهديته الشعرية: “كيف يكون لنا ما للغيوم/ تذهب دون أن تدري معنى لـ “أين”؟/ كيف يكون لنا ما للجبال/ تبقى دون أن تفكر بفلسفة لـ “هنا”؟”.
تلتقي السماء والأرض على وقْع الدمار المتسلسل، ولتتضاعف حمولة المأساة، وربما وطأة الصراخ أو العويل، حيث لا تعود الألسنة عينها متمايزة، لأن الموت المدمّر، المنتظم، والعشوائي، يعيد اللسان إلى وضعية بهيمية، أخرسه رعب تعدى مفهوم اللامعقول، وهنا فقط يتم تجنيس المدمّر ونوعيته، وزمن الحداد المفتوح.
والشاعرأحمد باشا نفسه، يهيم على وجه “روحه” أو هكذا تسمّي رغبته الشعرية ما استدعته إلى عين خيالها: “نجري/ ونلهث كالمجانين ابتغاء بداية بدأت/ نشد الضوء أكثر، يفتحُ التاريخُ فاهُ/ فنلمح القتلى، جماعاتٍ يواسي بعضهم بعضاً/ فنهمس:”إنه الموت البداية، إنه/ السر الذي نهذي به/ منه الحياة تشع، من ملل، وتمضي/ ثم حين تمل ثانية تعود إليه مثل صدى”/ نشد الضوء أكثر، يطلع القتلة”.

عوليس يبكي داخل كل واحد، أو يكون في طرقه الألف وواحد، ذلك المحاصر بالمخاطر، وفي الوقت نفسه، المأهول بجغرافية بلد على قياس طروادة، والاستماتة لاستعادته، وهي في كامل بهائها، وليس خسفها. الكلمات تستقطب صورها من الداخل، وتفجّر مفاهيمها الاعتبارية، من داخل المعاني التي تتشابك طوع إرادة شعرية ما، وهو يندب تاريخاً، كما يستبكي جغرافية كاملة، وعمراً يجمع إليه وجوهاً لبشر يفقدون حياتهم سريعاً.

أليس وضع الشاعر عماد الدين الموسى، هو الآخر عوليسي المدى والصدى، إن جاز التوصيف؟ وهو فيما يشبه صرخة استغاثة، صرخة فعلية لا يخطئها السمع، ومنذ سنوات، وهي صرخة لا يبدو عليها أنها توقفت، أو ستتوقف، طالما أن هناك المزيد من الخراب، المزيد من مسميات القتل المريع وأدواته: “أيتها الموجة/ أيتها الموجة../ التي/ ربما/ دفعتها الريح لارتكاب هكذا حماقة/ ها أنا ذا أغرق/ وكذلك أنت/ وما من مرفأ”.

عوليس المغامر البحري، المغامر البرّي، الجامع بين الحالتين، المكابد لأهوال لا تُحَد، يطرح نسخة من جسده عصرياً، سوري المقام، حيث يتكاثر الشعراء، وفي زمن الحرب الأكبر من كل الحروب المعهودة في التاريخ السوري، وبشكل غير مسبوق.

لهذا، فإن هندسة الخراب المتنامي، والصاعق، تتطلب كتابة من نوع آخر، وفي حال شهادة الشعر، فإنه مهما قلّل من مدى نفوذه في استقطاب الأسماع، والمسافة النوعية أحياناً بين المتردي والرهيب واقعاً، من المستحيل بمكان تنحيته جانباً، أو تعديم تلك النبرة الجمالية، وما للحداد الذي يعايَن باسمه من داخل الصيغ المختلفة للكلمات. فالشعر الذي لا يستحيل تجاهل عراقته التاريخية نشأة، كيف له أن يلوذ بالصمت، وكان الممثّل لصرخة الوجع الأولى كونياً.

ولحظة إمعان النظر في طروداة السورية وهي تعيش خرابها الفولكلوري، يمكن للناظر بالمقابل، أن يعاين في جهاتها الأربع تلك السلالة الكبرى لعوليس السوري، وهي تترقب لحظة العودة، جزئياً أو كلّياً، أو تؤرّخ بلسانها الشعري لذلك.
إبراهيم محمود
القدس العربي


المقال يعبر عن رأي الكاتب

118