كتّاب كورد أشاوس ؟!
كتّاب كورد أشاوس ؟!
ماهر حسن
في ضوء كلّ هذه المتغيّرات، لا بدّ من التقدّم فهمًا، استعرض هنا دور الكتّاب، وتناولها من مناظير وزاويا مختلفة، بحيث تكوّن صورة واضحة عن دور أدوه طيلة سنواتٍ مضت، وتكون الإجابة عن التساؤلات المطروحة اليوم حول مستقبل الكورد.
بدا واضحاً في بداية الازمة في سياسة ب ي د ، اذ بادر الحزب الى إنشاء مؤسسات شكلية تقوم بأدوار مزيّفة، مثل تشكيل الادارة الذاتية تدّعي تمثيل الكورد بصورة شكلية، وتحويل العاملين فيها الى دمم بيد ب ي د ، يحركهم فوق المسرح السياسي كما يشاء، لذا فإن المشاركة الواقعية الفاعلة لأي حزب في العمل السياسي للإدارة الذاتية لا يشكل العمود الفقري لتوجهاتها وقراراتها.
من أجل استقرار نظامهم الى جانب ألا تكون القوة العسكرية انعكاسًا للمشهد السياسي الذي تتنافس عليها، بل يجب أن تكون أداة واحدة في خدمة حزب واحد. هذا ما دفعها لفرض برامجها عبر إقناع فئات عريضة من الشعب، بتقديمها الخدمات اليومية وهي بذلك تقوم بوظيفة في غاية من الأهمية، وهي وظيفة السلطة، وبالتالي حزب ب ي د لا يفقد مسوغ وجوده كما لا يفقد قيمته السياسية، فالبيئة التي تتوفر له الشروط الملائمة لممارسة السلطة ـ جاءت على طبق من ذهب ليهيمن على الساحة السياسية، وينطلق من إيديولوجيا سياسية تحدد الغايات العليا ل ب ك ك ووسائل وسبل تحقيقها.
يقتضي الأمر هنا، وقفة على آراء كتّاب مع النظام التسلطي تحت جحة ( ادارة ذاتية كوردية) دون أن يدركوا قسوة الادارة الابوجية وانها أشد جذرية في إهدارها لمقومات الحرية، كما انها لا تترك أية مساحة خارجة عن إطارها أو أي حيز خاص يتنفس فيه الناس . ويفسر هذا الادعاء ان الادارة الابوجية أفضل من غياب النظام بما يؤدى إليه من عشوائية وافتقاد للاوضاع . كما أن وجود نظام ابوجية -أيا يكون نوعها- يقلل مستوى الفلتان في كوردستان سوريا. لكن - الذي ثبت أنه اوصل الاوضاع إلى ذروتها في النمط التسلطي ليطفح على المجتمع برمته، ويدخل المناطق الكوردية في مخاض.
لعل أهم ما ترتب على تبلد الكورد هو ضعف نخب الكتّاب والمثقفين . فما إن بدأ تبلور نظام جديد في سوريا حتى تبين أن هذه النخب أضعف من أن تحمل على كاهلها أعباء المواجهة وتقديم برامج وطرح سياسات بديلة، وتكوين جيل على مستوى عال من المعرفة. فقد ذهب بعضها بعيدا في مساومات غير مجدية مع الادارة الابوجية وباتت اسيرة غلب عليها طابع تشبيح، وتخبّطَ بعض آخر بين المواجهة والمهادنة رفض الادانة تحت ذرائع قبيحة، ففي النهاية قام الكل بدور "بودي كارد" لادارة ابوجية.
عدم الإحاطة بالتحولات الخطيرة منذ بداية الازمة ورفض مواجهة أوبئة سياسة ب ك ك ودون حثهم للعودة الى الذات ما فعلوه من مجازر وانتهاكات دفع ثمنها شعبنا بشكل باهظ، ولا سيما في خضم الأزمة الاقتصادية، اذ يجاهد حزب ب ك ك المتسلط على الساحة بتخليد ايديولوجيته بشعارات براقة ومتلونة، ويثابر على تخوين الاحزاب باتهامات عبثية.
وتتجلى هذه الصورة من خلال العشر سنوات الماضية، وما يعيشه من حالة صراع من ضخ معلومات مشبوهة الى الشعب ومن ولوج حلبة الصراع لصالح الانظمة المعتدية على الكورد . ففي المحصلة يعيش الآلاف في مخيمات وعلى المساعدات الغذائية كما تتشكل طوابير طويلة أمام مخابز ومحطات الوقود في الوقت الذي يواجه فيه المواطنون شتاءً طويلًا وباردًا دون ما يكفي من الكهرباء رغم تدريجها عمل في المؤسسة الادارة الذاتية حول إطار برنامج لتقليل من الصراع وتعزيز السلام والامن وتوفير مستلزمات اليومية.
غياب أو ضعف دور الكتّاب يقودنا ذلك إلى خلق الاختلالات ، وهو الطابع الديكتاتوري الذي اتسمت به سلطة الامر الواقع . دور المفترض من الكتّاب لم يقدر على النفاذ إلى قلب المجتمع الكوردي والاتصال بفئاته وشرائحه المختلفة، بالرغم من أن البعض كان موجودا في الشارع قبل شرارة الثورة السورية ، ثم انحسر وجوده بشكل سريع. كما ان تشكيل اتحاد او جمعيات لمثقفي كوردستان سوريا اصابها شلل مبكر بسبب تكالب بعض مؤيدي ب ك ك على مواقع النفوذ فيها وتدخل غير مباشر من ب ك ك في شؤونها .
وهكذا - الكتّاب في حالة من ضعف وتشتت وفقدان للرأي والتعبير بحرية والذي تراكم يومًا وراء آخر مؤديًا إلى قيامه بدور "الديكور" وتسول على ابواب الإدارة الابوجية عن وظيفة. ويبقى في النهاية الحمل على كاهلها ميراث أكثر من عشرة اعوام من الإحباط في كوردستان سوريا.
فجمود الكتّاب الكورد حيال الظروف الراهنة وغلق المجال أمام حزب دخيل على كوردستان سوريا مثل ب ك ك أفقدهم الثقة. وفي هذه الأجواء اشتد إحباطهم، وتحولوا الى كتّاب لا حول ولا قوة لهم في حد من انتهاكات والمحن التي أدت إلى تصدع القضية الكوردية وأفقدتها الحد الأدنى من التماسك.
مشهد الكتّاب الكورد في تصحيح السياسة التي فرضتها الأنظمة الشمولية الغاصبة المتتالية بدت مضحكا مبكيا. فقد اشتد تخبطهم بشأن التعامل في مواجهة القوى السياسية الحالية المتربصة بقضيتنا على سبيل المثال لإرضاء بعض من زملائهم الكتاب من العرب وغيرهم يتجنبون مصطلح كوردستان سوريا ويعتبر بعض انها مستفزة في حين نجد الزخم الذي أثاره ويثيره الإعلام في تدجين الشارع العربي تجاه القضية الكوردية في سوريا يحتفظ الكاتب العربي برأيه غير أن هذا المشهد ليس جديدا أو غريبا في الحياة السياسية. عموما، محاولات طمس ودثر لقضيتنا بين قوى المعارضة والنظام وغيرها من الدول الاقليمية فاشلة.
كما سلف اتضح أن كتاباتهم لم تكن سوى حبر على ورق، ولم تكن أكثر من زيف وتمثيل، يعزف بها على وتر الكورديايتي . نرى كتاب الكورد وشعراءهم ومفكريهم يبدؤون في رص الصفوف وتوحيد الكلمة ولا يتجرأ احد بتنديد من تدخلات ب ك ك في شؤون كوردستان سوريا ، ولا يستجيبوا للشجاعة الاستثنائية التي أبداها المنتفضون على عسف ب ك ك وعن نظامها الهش . ففي معطيات هذا الجانب، جعل كارثة الكورد فوق التصور والاحتمال.
من الدارج أن المثقّف بطبيعته ينزع إلى التّغيير والى تقديم الأفضل، لكن هذه نظرة نمطيّة فيها كثيرٌ من السجال، فالمثقف والكاتب الذي يبرر قِيمَ النظام السياسي القائم، ويدافع عنها، ويعدّ حكم ب ك ك مصدرَ الفضيلة، مجرّد موظف أجهزة أمنيّة يسترزق على حساب الثقافة. اللافت، عند هؤلاء الكتّاب هو أن قسمًا منهم لم يكتفِ بالوقوف ضد الكورد أو على الحياد بل ذهب إلى حد تبرير انتهاكات سلطة الامر الواقع والدفاع عنّها.
والسؤال في كنف نظريّة الحزب الواحد وفي السّياق التّبريري: هل استباح وطننا كما بات معلوما للجميع ام تحرر من براثن الأنظمة الفاشية؟
المقال يعبر عن رأي الكاتب
822
