مفترق الطرق بين الأخوين شاكر والأخوين رحباني!!!
مفترق الطرق بين الأخوين شاكر والأخوين رحباني!!!
صالح الملا
محمد علي شاكر ومحمود عزيز شاكر أسماء نسجت على أوتار الفن الكوردي حروفًا من ذهب، برحيل محمد علي شاكر فقد الفن الكوردي أبرز أعمدته وبقي لدينا ما كتبه ولحنه من أغانٍ خالدة على مسامعنا، تاريخ الأخوين شاكر لا يقل نصاعة وبريقًا عن الأخوين رحباني في لبنان ولا عن بقية المبدعين في مجال الفن والطرب أمثال محمد عبدالوهاب وبليغ حمدي.
سيرة الأخوين شاكر في تطوير الفن الكوردي وتقديم أعذب الكلمات والألحان لأبناء قوميتهم من أغانٍ قومية وعاطفية لامست واقع الناس في معاناتهم وأيضاً في أفراحهم يستحق منا هذا التاريخ أنْ نُكرمهم في حياتهم ومماتهم لكن وكما جرت العادة تم غض النظر هذه المرة كما في المرات السابقة ولم يحصل محمد علي شاكر لا في حياته على دعم وسند ولا في مماته حصل أقل ما يمكن قوله على نعش يليق بقامة فنية سخرت جُلَّ جهدها وتعبها في خدمة الفن الكوردي والقومية الكوردية وتجاوزت ألحانه وكلماته الحدود لتصل إلى أجزاء كوردستان الأربعة.
يمكن لأحد بطرح سؤال قد يكون غبياً وهو بالفعل كذلك ولكننا سنصوره على أنه تساؤل مشروع وإنْ كبسنا على جراحنا قليلًا، التساؤل الذي يقول هل الحركة الكوردية مقصرة في تكريم مبدعيها وأصحاب الطرب الأصيل الجواب لن يكون بنفي التقصير أو تأكيده وإنما يمكننا القول بأنها لم تقدم شيئًا على الإطلاق.
التقاطع الحاصل بين مدرسة الأخوين شاكر والحركة الكوردية هو جوهري ولا يستطيع أحد الفصل بينهما فقد بقيت أغانيهم القومية ترافق فرق الحركة الكوردية في أعياد نوروز طيلة خمسين عاماً لا بل أقلها بأنها لم تكن تلك الفرق لتقدم ما قدمته لولا وجود الأخوين شاكر في الخطوط الأمامية والاستعانة بِفنهم الأصيل لترسيخ حب كوردستان وتعميق الوئام والعاطفة بين أبناء الشعب الكوردي عبر أغانيهم التي كانت على ألسنة كل الأجيال ومن مختلف الأعمار.
عندما زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دولة لبنان لم يذهب إلى بيوت سياسييها ولا إلى قصورهم الرئاسية بل ذهب في اتجاهٍ آخر وسار نحو منزل فيروز والأخوين رحباني لتيقنه بأن صورة لبنان وأصالتها تتجسد في هؤلاء الأشخاص الذين بذلوا جهداً عظيماً في سبيل إيصال صورة لبنان الجميل للعالم عبر أغانيهم ونطق حينها ماكرون بالعربية كلمات إحدى أغاني فيروز عندما قال بحبك يا لبنان، مفارقة لابد لنا للوقوف عندها ومقارنتها مع الواقع الكوردي وهنا يجب طرح السؤال المشروع هل تمتلك الحركة الكوردية ما لا يمتلكه ماكرون من نظرة ورؤية في تكريمه لفيروز والأخوين رحباني هل هم أكبر شأناً من ماكرون والمفارقة الأخرى أن من يتحججون بأن كورونا كان عائقاً لعدم مشاركتهم في جنازة الراحل محمد علي شاكر، نسيوا بأن ماكرون زار منزل فيروز وسط حشود غفيرة وفي ذروة أزمة كورونا.
إن تكريم المبدعين وقيامنا بما يمليه علينا واجبنا اتجاههم لا يدع مجالًا لتقديم الأعذار وإبراز المبررات للتغطية على عيوب أناس لطالما كرموا من لا يستحق التكريم واحتفوا بمن لا يستحق الاحتفاء.
هل من المعقول أن تذهب دعوات التكريم وإحياء المناسبات القومية في عموم كوردستان لأناس هم أنفسهم يرددون كلمات مبدعي الفن الكوردي أمثال محمد شيخو ومحمود عزيز شاكر هل يعلم هؤلاء بأن من يتم تقديمهم إلى الساحة ليسوا سوى مجرد أصفار في بحر الأخوين شاكر وغيرهم من مبدعي الطرب الكوردي الأصيل هل وهل وهل؟ أسئلة لابد لنا بالحصول على أجوبتها وإن كنا مقتنعين بأننا سنصطدم بحائط بشري لا يمتلك إلا العقلية المتحجرة وليس لديها أدنى معرفة بماهية الفن الكوردي الأصيل والرصين.
مدرسة الأخوين شاكر المعطائة في تقديم الأجيال الفنية لم تكلّ ولم تهدأ يومًا كونها ترى نفسها بعد خمسين عامًا أنها مازالت قادرة رغم مرور السنين الطويلة على تقديم المزيد من الإبداع وتسخير جل طاقتها في تقديم كلماتها وألحانها للفنانين الكورد الذين يعلمون بأن وجهتهم الأولى في الحصول على كلمات وألحان الفن الكوردي الرصين هي مدرسة الأخوين شاكر.
وصول الطرب الكوردي الأصيل في القرن المنصرم إلى بغداد وبيروت عبر أغاني محمد علي شاكر التي ألفها ولحنها وقام بأدائها الفنان محمود عزيز شاكر والراحل محمد شيخو جعلت الشعوب الأخرى تعلم بأن الفن الكوردي لديه من يبدع في تقديمه لبقية العالم بأبهى صورة وحلة.
صائب سلام السياسي ورجل الأعمال اللبناني الذي حضر إحدى المهرجانات الفلكلورية في بيروت التي أقيمت تحت رعايته عندما كان رئيساً لوزراء لبنان حينها وأبدى إعجابه بما قدمته فرقة سركوتن ( Serkewtin ) التي كانت ضمن الفرق المشاركة وكان يشرف عليها الراحل سعيد يوسف والمبدع محمود عزيز شاكر لم يكن هو أيضًا أقل قيمة ومعرفة من ماكرون في تقييمه للفن وأصحابه وإعطائهم ما يستحقون حتى لو كان ذلك بكلمات الثناء وإبداء الإعجاب بغناء المبدع محمود عزيز شاكر.
رحيل محمد علي شاكر بهذه الطريقة أوضحت للشعب الكوردي ما يعانيه المبدعون في مجال الفن والطرب وكشفت الغطاء عن كل تلك الترهات التي كانوا يمطروننا بها عبر ادعائاتهم بدعم الفن وفنانيه، محمد علي شاكر الذي ولد غنياً بفنه ورحل غنياً بسجل حافل من الأغاني الكوردية لم يكن بحاجة إليهم لتجهيز نعشه بعلم كوردستان الذي ظل خمسين عاما يألف لها وينشد الفنانون الكورد ما كتبه عن الكورد وكوردستان بل كان بحاجة الى طبقة حكيمة وواعية كانت لتدرك معنى تكريم المبدعين ولكن بعد ما حصل لم يعد لأحد الحق بأن يطالبهم بتكريم عظمائنا فلا نحن من يمتلك إيمانويل ماكرون ولسنا ذلك القوم الذي لديه صائب سلام بل لدينا من هم يسترخون على كلمات أغاني الأخوين شاكر لكتابة إنجازاتهم الوهمية الخلبية.
الجنازة الباهتة التي أقيمت للراحل محمد علي شاكر لن تنتقص من قيمته ولن تغير من واقعه وما قدمه للفن الكوردي الرصين بل على العكس كشفت هذه الجنازة الغطاء عن كثير من الأقنعة وستبقى كلمات أغاني مدرسة الأخوين شاكر تقض مضجع من يدعون تمثيلهم أينما ذهبوا وحلّوا.
لن تكون جنازة الراحل محمد علي شاكر الاولى ولن تكون الاخيرة في إبراز الشرخ العميق بين الكورد وفنانيه مع صور جنازة الراحل سقطت كل المهرجانات الكوردية التي تقام وسقطت معها مراكز الثقافة الكوردية التي تشرف على حفظ أرشيف العظماء سقطت كلها في مستنقع الخذلان والانتفاع على أكتاف أعمدة صروح الفن الكوردي الأصيل ومبدعيه سقطت كلها وبقيت مدرسة الأخوين شاكر صرحاً شامخاً عابراً لكل الأجيال والأزمان
بقي لنا أن نقول لروح المبدع محمد علي شاكر ما كتبه هو ( Rêwiyo xatir bixwaze )
ولكن ودع فقط من كان يقدر فنك ويثمن تضحياتك في خدمة الفن والقضية الكوردية.
المقال يعبر عن رأي الكاتب
1648
