قرار محكمة الحريري وتغيير نمطية التطلعات
قرار محكمة الحريري وتغيير نمطية التطلعات
شفان إبراهيم _ ليفانت
ببساطة أغلقت المحكمة أبرز قضايا الخلاف التي عاشها لبنان، وبل كل العالم المتعطّش صوب الحقيقة والعدالة والنزاهة منذ عقدٍ ونيّف. حُكمٌ جعل العالم المبتلي بآفة الاستبداد والدكتاتوريات يرفع الراية البيضاء، ويستشعر بؤس وتفاهة هذا العالم المُكنّى “بالمجتمع الدولي وشراشيبه من محكمة دولية أو تحقيقات عالمية”، إذ ما عادت تلك التسميات تحتل مكانة مرموقة لدى الأجيال القادمة، عدا عن استحقار الأجيال السابقة لهذه المهزلة. محكمة الحريري
لا يمكن لأحد أن يكون ملكاً أكثر من الملك نفسه، فموافقة سعد الحريري على نتائج التحقيق وقرار المحكمة، يُحيل الغالبية إلى الضفة المقابلة للحريري الابن، وهو المعني الأول بهذه الجريمة من جهة، ومن جهة تالية البقية هم أيضاً المعنيون بهذه الجريمة، لما لها من شأنٍ عام، وارتباط بقضايا الحريات والممارسات العنفية القمعية التي تفضي إلى إزهاق الأرواح.
وفقاً لذلك، ثمة طرفان معنيان بالدرجة ذاتها من الحدث والموقف منه والموقف من قرار المحكمة، كانا حتى الأمس القريب صفاً واحداً، انقسما بعد إدانة شخص واحد فقط باغتيال الحريري، بكل هالة التفجير وما يحتاجه من تخطيط ومتابعة موكب الشهيد رفيق الحريري. لا أحد -حالياً- يعرف حجم المقابل السياسي الذي سيقدمه حزب الله، ولا حجم الفائدة السياسية التي سيجنيها سعد الحريري، وهو المبتلي بعدم نجاحه العميق لإدارة وزعامة دفة أكبر كتلة بشرية في لبنان. محكمة الحريري
يعاني الحريري من وطأة حدثين متداخلين، فهو الحالم بتشكيل حكومة لبنانية تقوم على خدمة اللبنانيين وتنجح في ردم الهوى العميقة بين اللبنانيين الذين يزدادون انقساماً على نفسهم، وجاء التفجير الأخير ليزيد من حجم الضغينة بين الانتماءات السياسية في لبنان. وهو المبتلي من جهة ثانية بالضربات التي تلقتها الأسطورة المالية التي أسسها الشهيد الحريري، يقابل كل ذلك، الطرف الآخر من المعادلة، طرف كان يعتقد أن ثمة بريق للعدالة لن يخبو، إنّ هؤلاء المهووسين بديمقراطية الغرب وعدالة ونبل مسعاهم، والمقتنعين بضرورة أن تأخذ العدالة مجراها. وما بين الانقسام الحاد بين أبناء الصف الواحد، وتحولهم للطرفين، ثمة طرف آخر، من كان يخشى طيلة الــ/15/عاماً على حياته وأركان حكمه، كان حزب الله دائم المسعى لتبرئة نفسه من عملية الاغتيال. كما كانت دمشق دائمة القول إنّ لا علاقة لها بكل ما حصل، قابله ذلك الطرف قبل أن ينقسم على نفسه، باتهام دمشق وحزب الله بالقضية، ومع ما شهدته الساحة من عمليات تصفيات واغتيالات وانتحار، ومع قرار المحكمة الدولية بعدم كفاية الأدلة على تورّط دمشق وحزب الله بعملية الاغتيال، باتت البشرية في الشرق الأوسط أمام مفترق طرق ومحددات تنقلنا إلى طورٍ جديد للعلاقات البشرية، أولها: استفسار حول إمكانية إحلال الحقوق دائماً، وأيهما أولاً حق القوة، أم قوة الحق. وثانيها: بعد انتظار دام /15/ عاماً وقرابة المليار دولار مصاريف هذه المحكمة، هل ما تزال الأفئدة والعقول المتعطشة للحرية والعدالة، تعوّل على هذا المجتمع اللاعادل؟.
وثالثها: إذا كانت العدالة تتساوى مع آلية الإصلاح الذي يسير وفق قاعدة “أنّ الدرج يشطف من الأعلى”، وإذا كانت قمة المحاكم الدولية جنحت لهذا الشكل الغريب من القرار وحصر دائر الاتهام بشخص واحد ارتكب جريمة تحتاج إلى مجموعات وكفاءات وخبرات وإمكانيات ضخمة، للتمكن من اختراق مركبة الحريري، والتشويش على أجهزة الرصد داخلها، فهل من إمكانية للمطالبة بالعدالة من جديد، والعالم كله يدرك أنّ تفجيراً كهذا، إنما بحاجة إلى كروبات ودعم مؤسساتي مالي ولوجستي كبير؟. ورابعها: أنّ المحاكم في الدول الاستبدادية والدكتاتورية تشعر بأهازيج النصر المؤزر، فهي التي تواءمت معها محكمة دولية لجهة العسف في إصدار الحكم.
أما الخامسة: الأكثر وضوحاً وبروزاً، أن لا تُهم ولا اتّهام ولا شبهات بعد اليوم للنظام السوري ولا لحزب الله، فهم الذين برّأتهم المحكمة التي عول عليها دعاة وأنصار الحريري طيلة الأعوام السابقة، ولم يعد بالإمكان من الجهة القانونية الشك بهما، على أقل تقدير، بعد الإصرار على عدالة تلك المحكمة، قبل النطق بالحكم، وفي هذه القضية، ماعاد من الممكن القفز إلى الضفة المقابلة للموقف منها -أي المحكمة- فبعد أن كان الفريق الآخر المعادي لدمشق وحزب الله، يعوّل على المحكمة، وانتظار قرارها، ماعاد ممكن التشكيك بها، فهل كانوا يتوهمون طيلة/15/سنة؟. محكمة الحريري
وفقاً لذلك، رُبما يكون قرار المحكمة، بمثابة رسالة واضحة المعالم، أن لا إرادة دولية لتغيير نظام الحكم في دمشق، ولا رغبة في إنهاء حزب الله، وتالياً، قد يتساءل الكثيرون عن جدّية العداء الأمريكي مع إيران، إذ لو وجدت رغبة في إنهاك أو توجيه ضربات قاسية لإيران، فما من هدية أثمن من قرار محكمة اغتيال الحريري.
البارقة الوحيدة للمجتمعات المتعطشة للتغيير والتبديل هي نفسها اللطمة الكبرى، وهي انتظار أقل من /100/ يومٍ على الانتخابات الأمريكية، وهي بحد ذاتها معضلة وكبرى المشاكل العميقة للشعوب في الشرق مع حكوماتهم. حيث لا الشعوب تمكنت من التغلب على حكوماتها، ولا الأنظمة والحكومات مستعدة للخروج من دائرة الإلغاء وخنق الحياة العامة، والتوصل إلى عقد اجتماعي جديد. فتجد الشعوب من جديد حراكها في بؤسها والتوجه صوب المجتمع الدولي، وحياتها في نمطية حياة ونتائج انتخابات أمريكا على أمل أن يحدث التغيير المنشود، وهي _أي أمريكا_ نفسها التي أجهضت كل التوقعات بنتائج المحكمة الدولية.
لا بؤس مجتمعي ولا قهر نفسي أكثر من أن تستمرّ الشعوب في انتظار مصيرها من أطراف تساهم في نسف معيشتها وخنق حرياتها، سواء عبر حماية الأنظمة، أو لا مبالاتها بمصير الملايين من شعوب الشرق. محكمة الحريري
ببساطة أغلقت المحكمة أبرز قضايا الخلاف التي عاشها لبنان، وبل كل العالم المتعطّش صوب الحقيقة والعدالة والنزاهة منذ عقدٍ ونيّف. حُكمٌ جعل العالم المبتلي بآفة الاستبداد والدكتاتوريات يرفع الراية البيضاء، ويستشعر بؤس وتفاهة هذا العالم المُكنّى “بالمجتمع الدولي وشراشيبه من محكمة دولية أو تحقيقات عالمية”، إذ ما عادت تلك التسميات تحتل مكانة مرموقة لدى الأجيال القادمة، عدا عن استحقار الأجيال السابقة لهذه المهزلة. محكمة الحريري
لا يمكن لأحد أن يكون ملكاً أكثر من الملك نفسه، فموافقة سعد الحريري على نتائج التحقيق وقرار المحكمة، يُحيل الغالبية إلى الضفة المقابلة للحريري الابن، وهو المعني الأول بهذه الجريمة من جهة، ومن جهة تالية البقية هم أيضاً المعنيون بهذه الجريمة، لما لها من شأنٍ عام، وارتباط بقضايا الحريات والممارسات العنفية القمعية التي تفضي إلى إزهاق الأرواح.
وفقاً لذلك، ثمة طرفان معنيان بالدرجة ذاتها من الحدث والموقف منه والموقف من قرار المحكمة، كانا حتى الأمس القريب صفاً واحداً، انقسما بعد إدانة شخص واحد فقط باغتيال الحريري، بكل هالة التفجير وما يحتاجه من تخطيط ومتابعة موكب الشهيد رفيق الحريري. لا أحد -حالياً- يعرف حجم المقابل السياسي الذي سيقدمه حزب الله، ولا حجم الفائدة السياسية التي سيجنيها سعد الحريري، وهو المبتلي بعدم نجاحه العميق لإدارة وزعامة دفة أكبر كتلة بشرية في لبنان. محكمة الحريري
يعاني الحريري من وطأة حدثين متداخلين، فهو الحالم بتشكيل حكومة لبنانية تقوم على خدمة اللبنانيين وتنجح في ردم الهوى العميقة بين اللبنانيين الذين يزدادون انقساماً على نفسهم، وجاء التفجير الأخير ليزيد من حجم الضغينة بين الانتماءات السياسية في لبنان. وهو المبتلي من جهة ثانية بالضربات التي تلقتها الأسطورة المالية التي أسسها الشهيد الحريري، يقابل كل ذلك، الطرف الآخر من المعادلة، طرف كان يعتقد أن ثمة بريق للعدالة لن يخبو، إنّ هؤلاء المهووسين بديمقراطية الغرب وعدالة ونبل مسعاهم، والمقتنعين بضرورة أن تأخذ العدالة مجراها. وما بين الانقسام الحاد بين أبناء الصف الواحد، وتحولهم للطرفين، ثمة طرف آخر، من كان يخشى طيلة الــ/15/عاماً على حياته وأركان حكمه، كان حزب الله دائم المسعى لتبرئة نفسه من عملية الاغتيال. كما كانت دمشق دائمة القول إنّ لا علاقة لها بكل ما حصل، قابله ذلك الطرف قبل أن ينقسم على نفسه، باتهام دمشق وحزب الله بالقضية، ومع ما شهدته الساحة من عمليات تصفيات واغتيالات وانتحار، ومع قرار المحكمة الدولية بعدم كفاية الأدلة على تورّط دمشق وحزب الله بعملية الاغتيال، باتت البشرية في الشرق الأوسط أمام مفترق طرق ومحددات تنقلنا إلى طورٍ جديد للعلاقات البشرية، أولها: استفسار حول إمكانية إحلال الحقوق دائماً، وأيهما أولاً حق القوة، أم قوة الحق. وثانيها: بعد انتظار دام /15/ عاماً وقرابة المليار دولار مصاريف هذه المحكمة، هل ما تزال الأفئدة والعقول المتعطشة للحرية والعدالة، تعوّل على هذا المجتمع اللاعادل؟.
وثالثها: إذا كانت العدالة تتساوى مع آلية الإصلاح الذي يسير وفق قاعدة “أنّ الدرج يشطف من الأعلى”، وإذا كانت قمة المحاكم الدولية جنحت لهذا الشكل الغريب من القرار وحصر دائر الاتهام بشخص واحد ارتكب جريمة تحتاج إلى مجموعات وكفاءات وخبرات وإمكانيات ضخمة، للتمكن من اختراق مركبة الحريري، والتشويش على أجهزة الرصد داخلها، فهل من إمكانية للمطالبة بالعدالة من جديد، والعالم كله يدرك أنّ تفجيراً كهذا، إنما بحاجة إلى كروبات ودعم مؤسساتي مالي ولوجستي كبير؟. ورابعها: أنّ المحاكم في الدول الاستبدادية والدكتاتورية تشعر بأهازيج النصر المؤزر، فهي التي تواءمت معها محكمة دولية لجهة العسف في إصدار الحكم.
أما الخامسة: الأكثر وضوحاً وبروزاً، أن لا تُهم ولا اتّهام ولا شبهات بعد اليوم للنظام السوري ولا لحزب الله، فهم الذين برّأتهم المحكمة التي عول عليها دعاة وأنصار الحريري طيلة الأعوام السابقة، ولم يعد بالإمكان من الجهة القانونية الشك بهما، على أقل تقدير، بعد الإصرار على عدالة تلك المحكمة، قبل النطق بالحكم، وفي هذه القضية، ماعاد من الممكن القفز إلى الضفة المقابلة للموقف منها -أي المحكمة- فبعد أن كان الفريق الآخر المعادي لدمشق وحزب الله، يعوّل على المحكمة، وانتظار قرارها، ماعاد ممكن التشكيك بها، فهل كانوا يتوهمون طيلة/15/سنة؟. محكمة الحريري
وفقاً لذلك، رُبما يكون قرار المحكمة، بمثابة رسالة واضحة المعالم، أن لا إرادة دولية لتغيير نظام الحكم في دمشق، ولا رغبة في إنهاء حزب الله، وتالياً، قد يتساءل الكثيرون عن جدّية العداء الأمريكي مع إيران، إذ لو وجدت رغبة في إنهاك أو توجيه ضربات قاسية لإيران، فما من هدية أثمن من قرار محكمة اغتيال الحريري.
البارقة الوحيدة للمجتمعات المتعطشة للتغيير والتبديل هي نفسها اللطمة الكبرى، وهي انتظار أقل من /100/ يومٍ على الانتخابات الأمريكية، وهي بحد ذاتها معضلة وكبرى المشاكل العميقة للشعوب في الشرق مع حكوماتهم. حيث لا الشعوب تمكنت من التغلب على حكوماتها، ولا الأنظمة والحكومات مستعدة للخروج من دائرة الإلغاء وخنق الحياة العامة، والتوصل إلى عقد اجتماعي جديد. فتجد الشعوب من جديد حراكها في بؤسها والتوجه صوب المجتمع الدولي، وحياتها في نمطية حياة ونتائج انتخابات أمريكا على أمل أن يحدث التغيير المنشود، وهي _أي أمريكا_ نفسها التي أجهضت كل التوقعات بنتائج المحكمة الدولية.
لا بؤس مجتمعي ولا قهر نفسي أكثر من أن تستمرّ الشعوب في انتظار مصيرها من أطراف تساهم في نسف معيشتها وخنق حرياتها، سواء عبر حماية الأنظمة، أو لا مبالاتها بمصير الملايين من شعوب الشرق. محكمة الحريري
المقال يعبر عن رأي الكاتب
557
