انسجموا مع أنفسكم كالإمارات
انسجموا مع أنفسكم كالإمارات
صالح الملا
في الماضي كان المُثقفون والكُتاب العرب يروجون لفكرة رفض سياسة التطبيع التي كانت تتبناها بعض حكومات المنطقة ويدافعون عن فكرتهم بحجج واهية بعيدة عن المنطق أهمها رفض الأعتراف باليهود كشعب له جذور تاريخية في منطقتنا لا بل تعدى هذا الطرح إلى تسويق فكرة أكثر تطرفًا الا وهي قذف الشعب اليهودي في البحر،اليوم وبعد الربيع العربي وما لاقته هذه الشعوب من أنظمتها من قمع واستبداد تغيرت المعادلات وتبلور فكر جديد لدى الشريحة الأوسع من شعوب المنطقة الا وهو أسرائيل جارة لنا ويمكننا العيش بسلام معآ كيف لا يتبلور هذا الفكر في أدمغتنا جميعًا وأسرائيل نفسها فتحت حدودها للهاربين من جحيم الحرب السورية، وذات يوم كان لها الفضل في إنقاذ ٨٠٠ شخص من جماعة الخوذ البيضاء ( الدفاع المدني ) وأوصلتهم الى بر الأمان عبر أراضيها.
نرى الشخصيات العربية من مُثقفين وكُتاب وسياسيين يسارعون إلى شراء بطاقات السفر لزيارة تل أبيب وعقد الِلقائات مع ساستها ومفكريها وتبادل وجهات النظر معهم حيال أزمات المنطقة لقناعتهم أن دور اسرائيل حيوي ومؤثر في الشرق الأوسط .
البنية الفكرية في المنطقة تغيرت عند أغلب شعوبها وأخص بالذكر الشعوب لأنها كانت دائمًا تعاني من تهمة التعامل مع اسرائيل اليوم وبعد أن تحررت هذه المجتمعات من سطوة أنظمتها وانكشف الغطاء عن التهم التي وجهت لها من قِبَلِ هذه الأنظمة فقد باتت تعبر صراحة عن موقفها حيال وجود إسرائيل كدولة وشعب وديانة.
بعد الأزمات التي عصفت بالمنطقة أو الفوضى الخلاّقة كما أسمتها ذات يوم وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس .تتسابق هذه الدول الى التطبيع العلني لا بل أصبح بناء العلاقات مع إسرائيل على رأس جدول أعمالها واتفاق السلام الذي وقع بين اسرائيل والإمارات العربية المتحدة برعاية واشنطن هي أستمرار لنهج التطبيع الذي تبنته الدول العربية في القرن المنصرم وهي تأكيد أن التطبيع هو بداية الطريق للوصول إلى سلام عادل وشامل والمفارقة أن من يتكلم عن مظلومية القضية الفلسطينية نسي أن أول من أعترف بإِسرائيل كدولة هي منظمة التحرير الفلسطينية والتي كانت تمثل الشعب الفلسطيني بقيادة الراحل ياسر عرفات فيما عُرف أنذاك بإتفاق أوسلو الموقع في سبتمبر عام ١٩٩٣ بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية الإتفاق الذي كان من أهم بنوده أن منظمة التحرير تعترف باسرائيل كدولة على حدود عام ١٩٤٨ وترفض وتمنع القيام بآي عمليات مقاومة ضد دولة اسرائيل وانتهاج مبدأ المفاوضات ومسار التسوية السلمية في إيجاد حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني فبحسب الفلسطينيين أن أبوعمار ذهب إلى أوسلو لإنهم كانوا مقتنعين بإن حل الدولتين هو الحل الممكن ولإدراكهم بأنهم لايستطيعون هزيمة اسرائيل ولأنهم كانوا منسجمين مع أنفسهم بعيدًا عن الشعارات والأوهام.
اتفاقات السلام المتعاقبة تلغي شيئًا فشيئًا ما يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي لا بل على العكس فقد أثبتت الوقائع والصراعات في المنطقة أن الصراع ( العربي - العربي ) قد أصبح صراعًا بديلًا وبدأ يأخذ حيزًا أكبر في أحداث المنطقة
الحملة الإعلامية المؤيدة على المستويين الشعبي والرسمي لإتفاق الإمارات واسرائيل أثبتت بإن الاغلبية مقتنعة أن التطبيع أصبح مطلبًا ملحًا وأِحلال السلام بات خيارًا يجب دخوله حيز التنفيذ بشكلٍ عملي وأوسع وآن من بقي يدينها سيقف عاريًا ولن تظلَ الشعارات تُقيهْ من تُهمة المُتاجرة بمصير المنطقة وشعوبها . فالأنقسام الحاصل في الشارع العربي أثبت بِأن القضية الفلسطينية أصبحت قضية ثانوية ولم تعد بالنسبة للأغلبية تلك القضية المركزية التي لا يمكن المساومة عليها . فالأزمات الداخلية لدول المنطقة جعلت الشعوب تلتفت الى مشاكلها الداخلية ولم تعد فلسطين تأخذ حيزًا مهما في وجدانهم .
كل الأطراف تستفيد من العلاقة مع إسرائيل حتى الجهات التي تدعي محاربتها والتي على علاقة عدائية مزيفة معها فهم يستخدمون الصراع العربي الاسرائيلي لتمرير أجنداتهم في المنطقة.
مجرد رفع علم اسرائيل في أيدي الشبان الكورد جعل من بعض المتاجرين بالقضية الفلسطينية يكيلون بالعداء للكورد ويتهمونهم بالخيانة للقضية الفلسطينية ربما يتناسى هؤلاء اتفاقات السلام السابقة مع اسرائيل فمحطات مفاوضات واتفاقات السلام بين اسرائيل ودولًا عربية ليست حديثة العهد نستذكر منها، مدريد، أوسلو، كامب ديفيد والخ.وبالطبع القائمة في تزايد مستمر لأن الأغلبية المطلقة باتت ترفض مبدأ العنف وتؤمن بالحوار والسلام تلك الدول تتعامل بواقعية مع خارطة المنطقة ومتغيراتها.
وأيضًا يتغافل هؤلاء إننا ( كورد ) وفلسطين هي قضية ( العرب ) المركزية وأصبح يُطلَب منّا أن نحدد موقفنا من التصنيف المزدوج الذي روج له في المنطقة ( مع حقوق الشعب الفلسطيني آم ضدها ) )
عند كل حدث تتوجه سهام الاتهام نحو الكورد في علاقتهم مع اسرائيل رغم أن هذه العلاقة محصورة في بعض التضامن عبر الأعلام لا أكثر لا ترتقي الى مستوى تسميتها بالعلاقة، فالاتهام ( القديم-الجديد )الذي من خلاله زج بآلاف الناس في أقبية السجون والحجة التي كانت الأنظمة تتهم بها معارضيها على أنها من الأسباب التي تؤجل أنتصار القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي حيث في الأمس القريب ضُرِبَتِ الثورة السورية بحجة فلسطين وتحريرها.
اليوم أصبح هذا الاتهام موجها للمكون الكوردي بشكل خاص كوسيلة للضغط عليهم لجعلهم مترددين ومتخوفين من بناء علاقات مع اسرائيل أسوة بباقي مكونات المنطقة وليحل الشعب الكوردي مكان باقي شعوب المنطقة التي نالت ما نالته من تهمة العلاقة مع اسرائيل وشبح الخذلان للقضية الفلسطينية.
من سخريات القدر ان دولًا تهدد بسحب سفرائها من إسرائيل والإمارات رفضًا للتطبيع الاماراتي الاسرائيلي هذه الدول التي لديها علاقات رسمية وقديمة مع الدولة العبرية على جميع الصعد، هي نفسها التي تدين التطبيع الخليجي الاسرائيلي لدرجة وصل بهم الامر انهم أصبحوا يطبقون المقولة المستهلكة والبائدة التي سوقها غوبلز وزير الدعاية السياسية في حكومة هتلر والمانيا النازية والتي تقول : اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس
في نهاية المطاف يجب أن نكون أكثر واقعية وانسجامًا مع أنفسنا فكل الحجج التي يروج لها عن حساسية وصعوبة بناء علاقات مع إسرائيل ليست الا تكبير للحجر لعدم الرمي به.
المقال يعبر عن رأي الكاتب
1266
