استعراض عضلات إيراني في الوقت الخطأ
ما حدث صباح يوم 31 ديسمبر/كانون الأول، هو عملية استعراض عضلات إيراني على الأراضي العراقية وبرجال عراقيين، يأتي في الوقت الخطأ والمكان الأكثر خطأً، وهو مهاجمة السفارة الأمريكية في بغداد واقتحامها أيضاً.
إن أول ما فات إيران إدراكه، من خلفية أو عواقب مهاجمة السفارة الأمريكية في بغداد، وبرجال من المليشيات العراقية التابعة لها، هو كشفها وتأكيدها لحجم هيمنتها على الحكومة العراقية، ومليشيات أحزابها، وأيضاً ضعف هذه الحكومة في الاستجابة لإيران، وإلى حد التطويح بكرامتها وكرامة العراق من ناحية، وإلى حد إعلان العصيان على الولايات المتحدة، سياساتها تجاه الولايات المتحدة، إنما تحكمها ردود الأفعال الانفعالية، التي تتجه إلى التصعيد، من دون حساب نتائج وعواقب هذا التصعيد، حتى إن كان على أرضٍ غير أراضيها، وتحقق برجال غير رجالها كدولة احتلال مباشر ورسمي للعراق، وتقبض على خيوط اللعبة السياسية فيه، وهي التي جاءت برموز الحكم الحاليين، الذين يقفون بالضد من إرادتها بهذا العمل، من ناحية ثانية.
حادث اقتحام مبنى السفارة الأمريكية، وهو يقع في المنطقة الأكثر تحصيناً وأمناً في بغداد، المنطقة الخضراء، وهي مقر الحكومة العراقية ذاتها، إنما يدلل على أن إيران تعيش حالة تخبط وضياع بوصلة، وإن. هذا الاستعراض الساذج الذي كشف مستور الحكومة العراقية على عدة مستويات، أولها تبعيتها العمياء لإيران، وعدم قدرتها على رفض طلب لها، حتى لو جاء على حساب سيادة العراق ومصالحه مع أمريكا والعالم أيضاً، وثانيها ضعف الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية، أمام سطوة وقوة المليشيات الإيرانية، وإنها قادرة على فعل ما تريد، وفرضه على الحكومة، وفي أدق مفاصل سياساتها ومواقفها السيادية، وثالثاً كشف هشاشة الحكومة وأحزابها وضعف هيكليتها، وفي كونها كمؤسسة سيادية، عاجزة حتى عن حماية نفسها إن أرادت، خاصة أمام سطوة المليشيات التابعة لإيران. إيران لم تكتف بدفع عناصر مليشياتها، المعروفة بمسمى الحشد الشعبي الجامع، واستعراضهم أمام السفارة الأمريكية، بل فرضت على قيادات هذه المليشيات المشاركة في هذا الاستعراض والظهور علانية، وأغلبهم يحملون صفات حكومية ورسمية، إضافة لزعامة هذه المليشيات، وهذا تصرف في منتهى السذاجة، لأنه أسقط ورقة التوت التي كانت تحتمي بها إيران، بنفيها وإنكارها الدائمين بتابعية هذه المليشيات إليها وتدخلها في الشؤون العراقية، وهذا ما سيمنح أمريكا والمجتمع الدولي، المبرر في فرض المزيد من الإجراءات العقابية ضدها، كقوة تعبث بأمن الإقليم المجاور لها، عن طريق التدخل المباشر والمكشوف.
سياسة إيران تجاه الولايات المتحدة تحكمها ردود الأفعال الانفعالية من دون حساب نتائج وعواقب التصعيد، حتى إن كان على أرضٍ غير أراضيها
طبعاً إيران، وبسبب حراجة وضعها الداخلي، خاصة الاقتصادي، باتت تستغل أي ورقة تصل إليها يدها، من أجل الضغط على أمريكا وإجبارها على الجلوس للتفاوض معها، من دون الالتفات إلى قيمة هذه الورقة الفعلية أو حساب أثرها على حلفائها في الحكومة والمليشيات العراقية، وهذا دليل على تخبطها وإفلاسها، واستعدادها للتضحية بحلفائها العراقيين في مغامرات صبيانية غير محسوبة النتائج، وهذا ما يدلل على رخص هؤلاء الحلفاء عندها، رغم تفانيهم في خدمتها وتنفيذ أوامرها، من دون مراجعة أو مجرد نقاش. الغريب في الأمر، هو سذاجة الطبقة السياسية العراقية، والحكومة التي تمثل أحزابها، في انصياعها للأوامر الإيرانية وتابعيتها الذليلة، وإلا كيف قبلت ان تنساق لمثل هذه المغامرة، المكشوفة العواقب، لأن بالتأكيد أن حساب امريكا لها سيكون عسيراً، لأنها، وهذا ما أثبته سكوتها على حادث اقتحام السفارة الأمريكية، أثبتت للجميع أنها مؤسسة في منتهى الهشاشة ولا تملك أي رؤية أو قرار، في حماية حتى نفسها، والوفاء بالتزاماتها تجاه من جاء بعناصرها، من الشوارع، ليجلسهم على سدة الحكم في هذا البلد المنكوب بهم، وبمن جاء بهم، أمريكا طبعاً كدولة غزو واحتلال للعراق.
طبعاً حادث استغلال ضرب مقر قيادة ورصد ميليشيا حزب الله العراقي، في مدينة القائم، والذي على أساسه تأسس حادث اقتحام السفارة العراقية، ستحاول إيران والطبقة السياسية العراقية استغلاله في إفراغ مظاهرات الشباب العراقي، القائمة منذ ثلاثة أشهر، من محتواها، إن لم يكن هو هدفها الأول والرئيس، بعد أن بلغ الطرفان، الحكومة وإيران، مرحلة العجز أمام ضغطها وإصرارها، على طرد الطرفين وتخليص العراق من طغيانهما في مصير العراق ومقدراته؛ وهو ما بدأت أول آثاره بالظهور، بتسليط الإعلام لجهده على حادث إقتحام السفارة، وإهمال تغطية نشاط المظاهرات، لهذا اليوم، وهو الأمر الذي يثير التخوف من استغلال المليشيات لهذه الزوبعة للبطش بالمتظاهرين وفض اعتصاماتهم بالقوة، خاصة أن تداعيات هذا الاقتحام مفتوحة على احتمالات ردود أمريكية كثيرة، تجاه الحكومة العراقية ومليشيات إيران على وجه الخصوص.
إذن نحن لا نجافي المعطيات وحقائق الأرض، إذا ما حصرنا الجزء الأعظم من أهداف هذه الزوبعة الفارغة، في جانب استغلالها لقمع أو تصفية المظاهرات أو تشتيت زخمها، على أقل تقدير، لأن هذه الزوبعة المصطنعة، خاصة بعد علم المقتحمين ومن يقف وراءهم، بخلو السفارة من السفير وكافة موظفيها، فما الغاية أو المردود من هذا الاقتحام والاعتصام، أمام سفارة فارغة، إن لم تكن نوايا المحرض عليهما في مكان آخر بالفعل، وهو ساحات التظاهر، التي هددت مصالح إيران والطبقة السياسية، على حد سواء، وبصورة مباشرة واقتربت من تحقيق هدفها بالفعل، على أثر ضغطها ومطاولتها المستمرين منذ ثلاثة أشهر كاملة؟
سامي البدر
المقال يعبر عن رأي الكاتب
519
