النعيم الفلسطيني والجحيم الكُردي!

النعيم الفلسطيني والجحيم الكُردي!

Sep 17 2019

النعيم الفلسطيني والجحيم الكُردي!

د. رضوان باديني - The Levant

مرة أخرى حول مناقشات مشروع “مبادرة سوريا الإتحادية”

أثار مشروع “مبادرة سوريا الإتحادية” على صفحات النت، حلقة واسعة من النقاش المسهب بين النخب الثقافية والسياسية السورية، لكن المداولة الإفتراضية الإلكترونية وطريقة المداراة الحذرة بين الأسماء نفسها غالبيتها متكررة في اللقاءات والفعاليات والمبادرات السابقة، لا تبعث على التفاؤل كثيراً ولا توحي بتغيير في منهجية البحث عن الحلول الواقعية. على الرغم من أن مرارة التجارب الفاشلة التي عانى منها الجميع بنسب مختلفة، تدفعهم للبحث عن مقاربات أكثر تقدماً منهجية وأسلوباً!

لنأخذ على سبيل المثال، نمط الحديث عن مفاهيم “الأكثرية” و”الأقلية” لتحديد حقوق المكونات الإجتماعية الثقافية السورية وتموضعهما وتمفصلهما من الناحية الحقوقية والقانونية في تركيبة الدولة الإتحادية المعقدة. هذا الحديث لم ينمو كثيراً في أسلوبهم بل يبعث على تخيل صورة مغبشة للمستقبل السوري بحيث تختلط الأطروحات المنادية بالتعددية القومية لسوريا مع تلك المصرّة على عروبتها والحضور “الزمني الطارئ” للأقليات. و سواء كان هذا يأتي عن سوء فهم أو عن قصد إلاّ أنه بالتأكيد يسد آفاق الحل الحواري للخروج من دوامة الأزمة. والسبب الرئيسي برأيي المتواضع لأننا ما زلنا مشدودين، كالكثيرين من دول العالم المتخلفة، إلى العلاقات القائمة بين هذه المفاهيم لعهد ما قبل الدولة؛ وتتحكم بنا “الوطنية” المحتكرة من قبل “الأكثرية”، حيث مهما كانت منزلة “الأقلية”، فإن مجتمع الأكثرية ينظر إليهم كغرباء، أو شائبة تشكل عضو شاذ في كيانهم، وهم برأيهم، لا يملكون الجرعة ذاتها من “الوطنية” الحقة!.

طبعاً تأثرت وتتأثر هذه المعادلة بشدة بالظروف السياسية والأزمات وحالة الحرب المستدامة في بلدنا. لكن ليس هناك تقدم ملحوظ في ردم الهوة بين مكوناتنا القومية والمذهبية، ولا بين التعبيرات السياسية حتى في الجانب النظري ومجال المبادرات… لذلك فأن تبنيّنا لمعايير في تحديد مسؤولية “الأقلية” و”الأكثرية” لا يرتقي لمستوى إيجاد حلول معتدلة مقبولة من الجميع حتى الآن. بل أن وتيرة تقدمنا أبطئ بكثير من نظائرها لدى قبائل التوتسي والهوتو في رواندا، سنوات الحرب الأهلية المدمرة 1990-1993 الذين تخلصو بفترة زمنية قياسية من آثار الحرب الأهلية. لذا يجب علينا الإقرار هنا، بأن المعادلة لم ولن تستقر إلا بإلإعتدال؛ وبالإعتراف السيادي الكامل للجميع بالجميع، وعلى جميع المستويات، وبالأخص بحق الجميع على ملكية مغلفهم الجغرافي التاريخي، (الأرض)، وليس بموجبات إدعاءات الأحقية التاريخية والأقدمية الزائفة. بدون ذلك ستكون “الدولة الإتحادية” غير طوعية وليست سوى غطاء تخفي نوع جديد من الإستغلال والإضطهاد القومي. لنأخذ العبر والدروس من الدول الناجحة في حل هذا النوع من المسائل. تمعنوا معي بسر بقاء المكونات القومية للإتحاد السويسري متماسكة، الفرنسيين والألمان والإيطاليين..متعاضدين ضمن وحدتهم الوطنية ولا تجذبهم لدولهم القومية، المحاطة بهم أي شيئ. الخلاصة: الحقوق الكاملة والغير منقوصة للجميع وعلى جميع المستويات هي الضمان الوحيد ببقاء الجميع تحت سقف دولة واحدة.

وأني اعتقد جازماً، بالمناسبة، بأن مصير ومستقبل “الأكثرية” العربية السورية الراهن، مرهون بدرجة كبيرة في إستيعاب هذه الظاهرة التاريخية وبمدى حرصهم على تجديد مشروعهم القومي، والذي ينبغي أن لا يكون على حساب حرمان القوميات الأخرى من حقوقهم المماثلة، ليصبح مشروعهم مشروعاً حضارياً حوارياً ديمقراطياً، ومنسجماً مع قيم العصر وقوانينه ومنتجاته.

أني أذكر هذه البديهيات لدفع النقاشات الجدية إلى الأمام بين هذه المجموعة الطيبة والخيّرة من النخب الثقافية والسياسية السورية الذين يناقشون بجدية تامة مشروع مبادرة” سوريا الإتحادية”. إذ أن عجب العجائب هو، رغم إقرارهم بسقفٍ عالٍ نسبياً من الحقوق للقوميات والمكونات الأثنية والمذهبية إلا أن البعض يرجعون للمعاير البعثية والعبثية في كيل المقادير المسموحة بها “لحرية الأقليات” وتلك التي تحدد بخيوط حمراء، خشية تحولها لحوافز وأسباب للإنفصال!.

طبعاً ندرك جميعاً الأسباب والدوافع التي أوصلتنا لهذا الطرح النوعي”سوريا الإتحادية”؛ وواضح جداً بأننا أخذنا جزئياً العبرة من دروس الحرب المجنونة بعدما قدمنا ملايين الشهداء والجرحى والمفقودين والمهجرين.. وبعد أن أفرغت سوريا من نصف سكانها. لكن هذه النقطة المتقدمة من المراجعة والتروي يجب أن تكون عنواناً للبناء الجديد والتقدم نحو الأمام؛ لا للعودة إلى الخانة الأولى، ونبش الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه الكارثة، الأكبر والأشنع في العصر. أن أهم درس تعلمناه هو أن: الإرادة الحرة المعززة بالحكمة والعدل فقط تقوي أواصر وحدتنا، بينما الإنكار، ورفض الإعتراف بالآخر المختلف قومياً ودينياً ومذهبياً…توسع الهوة والخلاف بيننا، وتقسم الأوطان.

النقطة الإيجابية الأخرى والأهم، هي أدراكنا وإتفاقنا بأننا كسوريين، من مختلف الأطياف السياسية والمكونات الثقافية الإجتماعية، بحاجة لمناقشة وتبني نظام إتحادي ليبرالي، يعيد لنا تموضعنا الصحيح وبدرجة متساوية مع جميع الأقاليم في هرم وتركيبة الدولة الإتحادية. لكن يجب إلغاء إجبارية التماهي مع حق الأكثرية بالإنتماء للمحيط العربي الإسلامي دون التطرق لنفس الحق للقوميات الأخرى ورغبتها بالإندماج والتكامل مع القوميات نفسها في الدول المتاخمة. هنا ننسى أو نتناسى أن غريزة الإنتماء إلى الوطن المشترك لا يقتصر على الأكثرية السائدة مهما كان حجمها؛ ويحتاجها أبناء القوميات الأقل عدداً، بنفس الدرجة التي يحتاجها أبناء الأكثرية العددية. و”الوطنية” ليست مقتصرة على الأكثرية العددية فقط للترميز للهوية والتاريخ والإنتماء للأرض؛ إنما الوطن رمز ومصدر الفخر والعزة والكرامة للجميع، وفي نفس الوقت هو مصدر تأمين شروط الحياة الفيزيولوجية الأولى الضرورية للبقاء في الحياة وضمان سايكولوجية صحية لكل إنسان.

النقطة المتقدمة الثانية في هذا الموضوع، إدراكنا بضرورة إصلاح ذات البين بين أبناء المجتمع الواحد. وإتفاقنا بأن الموضوع لا يقبل التأجيل ولا مناص منه. واليوم، حينما يأتي هذا الطرح المتقدم من نخبة من الأغلبية القومية “السائدة” في بلدنا، أقصد من الأخوة العرب، فهذا يعني بأننا يجب أن نتأمل الخير ونقتنع بأن النضج السياسي وإختيار الحوار كوسيلة للتفاهم، أصبحت مفاهيم مكتسبة تعزز القناعة بالرؤية الواقعية لدى صفوة مجتمعنا.. وتفيد كذلك بأن البروغماتية السياسية والحوار السلمي والتفاهم في حل المسائل المستعصية أصبحت وسائل حقيقية بيد نخبنا السياسية والثقافية وليست تمنياً. ومن هنا قبولي شخصياً دون قيد أوشرط بالمساهمة في النقاشات التي جرت وتجري ضمن إطار مبادرة “سوريا الإتحادية” وضمن لجنة صياغة المبادرة حصراً.

بقبولنا لهذه المبادرة نرتقي جميعنا بعلاقاتنا لمستوى آخر. سنقضي على المفاهيم الممسخة لشخصيتنا الوطنية ونلغي مفهوم المواطنين من درجات مختلفة. وكمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات سنتخلص قبل كل شيئ من النظرة النمطية “التصغيرية” أو التحقيرية لبعضنا البعض؛ حينما كانت تُضع وتفلتر ملكاتك ومواهبك وكل ما تتميز به من دراية وقابليات كقابل خانة إنتماءك القومي أو الديني والمذهبي.. و قد لا يكون في الحياة إهانة أصعب من أن ينظر لأقوالك وأفعالك فقط من زاوية إنتمائك المناطقي والإقليمي أو يقاس جدوى وجدية شعورك الوطني حسب أصلك وحسبك ونسبك؛ أو قوميتك، لهجتك أولكنتك! آن الأوان أن نقر بأنه “لو جاز لكل انسان أن يقتل كل من يخالفه فى رأيه ومذهبه لأقفرت البلاد من ساكنيها”!. إذاً، أننا محكومون بإختيار: أما العيش بوئام وسلام في مجتمع متعدد القوميات ووفق قوانين حضارية أو العيش كما يقولون حسب قانون – “أبغض الحلال” الطلاق والعيش منفصلين أحرار. هذه سنة الحياة وليس من خيار ثالث.

الصعوبات لا تعد ولا تحصى.. جميعنا من خلفيات متباينة سياسياً، ثقافياً، فكرياً، إجتماعياً.. وبمؤهلات وقابليات مهنية مختلفة.. أننا في المبادرة عينة عشوائية من السوريين تلتقي بشكلٍ إفتراضي لحل مسائلنا القاسية المجبلة بالدم على الأرض.. نفتقر بدرجات مختلفة للخبرة العملية الحياتية، ولم نذق طعم الحياة “الإتحادية” الحرة أو نعيش في ظروف مشابهة لما نريد بناءه. بإختصار نبغي تأسيس نظام لا نعرفه حق المعرفة لا نظرياً ولاعملياً. نقاشنا ساحة تحتدم فيها الآراء والأفكار والتصورات والآمال والقناعات… لكن لحسن الحظ، على الأقل ظاهرياً، كل الآراء المتضاربة تهدف بالنهاية لإلغاء التفرقة ولتحقيق “نظام مشترك لنا جميعاً وسوية” يحقق آمالنا بالحرية والكرامة.

طبعاً ما زلنا في بداية المسيرة، وما زالت معرفتنا ببعضنا البعض قليلة جداً، ولذلك ما يزال الشك سيد الموقف بيننا!. بعضنا يتخوف من حرية الآخر: “إذا سمي جزء من إقليم الشمال المزمع إنشاءه حسب المبادرة، بـ”كوردستان سوريا”- ألا يفتح ذلك الباب على مصراعيه للإنفصال؟! ولكبح هذا الهاجس نبحث عن إسمٍ ليس له لا لون ولا وزن ولا رائحة..ولا يحمل عبق التاريخ!. وبالمقابل كيف يمكن الركون لحلٍ يُرجِع فقط حقوق المواطنة للكورد ويبقي على جميع آثار التعريب القسري والتمييز العنصري وبالأخص”الحزام العربي”- الذي كان أشد وطئة على السكان الكورد من المستوطنات اليهودية على الفلسطينين؟! وربما سيكون هنا في موضعه المناسب، الإسترسال على مقولة الكاتب المصري المعروف يوسف زيدان حينما قارن محنة الفلسطينين والكورد السوريين فقال: إستغفر الله! وضعهما كالفرق بين الأرض والسماء..! كالفرق بين الجحيم والنعيم!. وقد أضاف بما معناه: التميّيز العنصري البعثي ضد الكورد لا يقارن بشيئ مع ما يطبقه الإسرائيليون ضد فلسطين.. أنه الجحيم والنعيم!!

للأسف بيننا وبين قناعات يوسف زيدان مسافة طويلة.. وطريق محفوف بالمخاطر والأشواك..قد لا يصلنا إلى ما يرنو اليه العرب الطيبين المعتدلين الذين يقرون أن “نير الحكم الديكتاتوري المستبد ضد الأكراد كان برداء القومية العربية”، لكن سقف ما يقبله الديمقراطيين العرب لإخوتهم وشركائهم في الوطن هو “المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات”، والله أعلم بأية معايير؟! أما إستخدام أسم “كوردستان” حتى في الأغاني والأناشيد كوطن قومي للكورد فهذا لا حق لهم فيها! ..لسنا حتى في العهد السوفيتي حينما تغنى رسول حمزاتوف ببلده الجبلي الصغير، (موطني داغستان) ضمن روسيا الإتحادية، قرابة نصف مليون إنسان من عدة قبائل بخمسين لهجة ولهجة، لكنه بلدٌ مليئ بالعزة والأباءة والسؤدد ما تحسده عليها الأمم العظيمة في عصرنا. أخوتنا وشركاؤنا في الوطن يستكثرون علينا الإعتزاز بإسم الجزء الصغير من موطننا الذي إلحق بسوريا ويريدون سلخ جلودنا حتى لا نختلف عنهم بالبؤس، وكأن داغستان خرجت من الجغرافيا الروسية حينما تغنى بها حمزاتوف بلغته الآفارية!؟.

إلى أين يؤدى بنا الطريق؟

أن النقاش الجاد والطويل حول مبادئ وفقرات هذه المبادرة أوضح لنا معالم الطريق الوعر الذي نسلكه ومدى تأثير تباين الآراء والأفكار لصياغة وتطوير مضمون المبادرة وجعلها قريبة للإنسان السوري كما هو لا كما يتخيله البعض. ومع كل خطوة جديدة في النقاشات تظهر علامات إستفهام وأخرى علامات تعجب حول مداركنا للجوانب المبهمة وغير المعلنة. وإلى اللحظة التي أكتب فيها هذه الكلمات، لم تُستوعب من قبل أغلبية المناقشين، وأنا من بينهم، الأسباب الحقيقية لإقرار بعض المواد. لذلك هناك جملة من الملاحظات حول المبادرة أهمها:

– لماذا إعتبار إدلب نقطة إنطلاق مشروعنا والعاصمة المؤقتة لسوريا الإتحادية؟ وكيف يمكننا البدء بالعمل بكسب التأييد لمبادرتنا في مدينة تتحكم بمشهدها السياسي والعسكري جهة معادية وإرهابية كـ”جبهة النصرة”،- حسب توصيف مبادرتنا؟

– ما هي طبيعة الآليات التي يمكننا بها مزاحمة تمثيل الهيئات الرسمية للمعارضة الرسمية، أو إستمالتهم للعمل الجماعي أقصد “الحكومة السورية المؤقتة”، “الجيش الوطني”، “هيئة المفاوضات”..- أي الهيئات المدعومة من تركيا بشكل خاص! وما هي القوة التي تجبر هذه الهيئات للتخلي عن سيطرتها وأداء وظيفتها إلى هذه اللحظة؟ ما الضمان لكسب تأييد وولاء هذه الجهات بالسبل السلمية؟

– ما الموقف الحقيقي والتوصيف الدقيق للمبادرة من الإحتلال التركي لمناطق في الشمال السوري: جرابلس، الباب، عفرين..؟ ومن التهديدات المستمرة بإحتلال “شرق الفرات”؟ هذه وغيرها من المواقف الحرجة تفادت المبادرة توصيفها وتناولها لتفادي الخلافات الكثيرة الناجمة عنها.

– أليس من الأفضل والأسهل مفاتحة “الإدارة الذاتية” في شمال وشرق سوريا بالمبادرة والسعي للتنسيق معها لكسب تأييد التحالف الدولي ضد داعش والأسرة الدولية في نفس الوقت، بدل إدلب التي تخلت عنها حتى تركيا؟

النعيم الفلسطيني والجحيم الكُردي! النعيم الفلسطيني والجحيم الكُردي! النعيم الفلسطيني والجحيم الكُردي! النعيم الفلسط

4266