في تبعات النزوح

في تبعات النزوح

May 02 2020

في تبعات النزوح
علي مسلم
تشير الدلائل الى أن استراتيجية التهجير السكاني التي تتبعها الحكومة السورية بدأت تأخذ طابع الهندسة الديمغرافية، التي تعرف بأنها بداية تلاعب في تكوين المجموعات الاثنية خلال النزاع، إن الهدف الأساسي لهذه الاستراتيجية هو تغيير توازن القوى بين المجموعات الطائفية المعارضة، وهذا ينطوي على آثار ثقافية واقتصادية واجتماعية مدمرة، وسيؤدي الى تغير شكل المستقبل في سوريا، فالتغييرات الديموغرافية التي أجريت خلال فترات النزاع لا تؤثر فقط على مصير ملايين السوريين، بل تعقد في الجانب الآخر آفاق مستقبل السلام في سوريا، سيما ما يتعلق بمواضيع المفاوضات، والانتقال السياسي، وكذلك مسألة إعادة الاعمار، وستؤثر على جهود المصالحات البينية نظراً للتعقيدات التي تنطوي على مسألة النزوح، والتي تتعلق بالدرجة الأولى بمستقبل الهويات الطائفية، وأماكن تمركزها التاريخي .

وإذا أردنا تناول بعض نتائجها المباشرة سنجد أنفسنا أمام حزمة من التبعات المتشعبة، منها اقتصادية، ومنها اجتماعية ومنها سياسية، والتي سوف تترك خلفها آثاراً سلبية يصعب التغلب عليها لاحقاً، حيث أن مسألة النزوح في نهاية الأمر ليس خياراً اختاره النازحون أنفسهم، إنما جاء ذلك عقب دراما تدميرية حلت على الجميع، وبالتالي لم يكن ثمة حلول يمكن اللجوء اليها سوى الاقتلاع من الأرض والمكان قسراً، وهذا ما ساهم الى حد بعيد في زحزحة الاستقرار في الأماكن الذي استقر فيها النازحون في نهاية الأمر، وهذا بالتأكيد سيخلف وراءه حزمة أخرى من التبعات، من أهونها، التنافس على المكان بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية توزيع المقدرات المحلية على الجميع قسراً، وسوف يتخلل ذلك سلوكيات قد تبدو عدوانية، لأن النازح إنسان في نهاية الأمر.

ومن طبائع الأنسان أن يجاهد في سبيل لقمة عيشه، سيما في ظل غياب القوانين جراء الحرب، وسيكون ذلك على حساب السكان المحليين بكل تأكيد، فحين نرمي كمية من الحجارة في بركة ماء مستقرة، سنرى أن الحجارة سوف تزيح كمية من الماء بقدر حجمها، ومهما كانت الأحجام كبيرة، سيزيد كميات المياه المزاحة، ومن هنا تبدأ المشكلة، ومعها تبدأ مشكلة البحث عن حل، وإذا اسلمنا أن حل مشكلة النازحين لن تتم الا اذا استقر الأمر على حل سياسي نهائي شامل، فما علينا إلا البحث عن حلول توافقية مؤقتة، حلول تضع السكان المحليين أمام حقوقهم كاملة على اعتبار أنهم ينتمون الى المكان، وتضبط إيقاع النازحين على اعتبار أن إقامتهم مؤقتة، وعليهم الالتزام بأسس وقواعد الضيافة.


المقال يعبر عن رأي الكاتب

384